وأخرج عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر : « وفاكهة وأبا » فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : ان هذا لهو الكلف يا عمر .
وأخرج من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، يقول أنا ابتدأتها .
وأخرج ابن جريح عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله « وحنانا من لدنا » فقال :
سألت عنها ابن عباس فلم يجب فيها شيئا . وأخرج من طريق عكرمة عن ابن عباس قال :
واللّه ما أدري ما حنانا وأخرج الفرياني حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كل القرآن أعلمه إلا أربعا : غسلين وحنانا وأوّاه والرقيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : قال ابن عباس : ما كنت أدري ما قوله : « ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق » حتى سمعت قول بنت ذي يزن : تعال أفاتحك ، تريد أخاصمك .
وأخرج من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : ما أدري ما الغسلين ، ولكني أظنه الزقوم « 1 » .
ولم تكن ظاهرة « الغموض » بالنسبة للجيل الأول من المسلمين قاصرة على « الألفاظ » الغريبة بل كانت تتجاوز ذلك إلى مستوى التركيب ، ولذلك احتاج النص في هذه المرحلة المبكرة إلى التفسير في بعض أجزائه : - كسؤالهم لما نزل :
( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ )
فقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه ففسره النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالشرك ، واستدل عليه بقوله تعالى :
( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )
. وكسؤال عائشة - رضي اللّه عنها - عن الحساب اليسير فقال : « ذلك العرض ، ومن نوقش الحساب عذّب » . وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الذي وضعه تحت رأسه . وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه « 2 » .
ولعل من أهم مظاهر « الغموض » الخلاف حول آية المحكم والمتشابه ذاتها لا على مستوى الدلالة فقط وما ارتبط بها من تحديد معنى المحكم ومعنى المتشابه ، ولكن على مستوى القراءة ذاتها في تحديد طبيعة « الواو » في « والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا » فهل هي واو عطف أو واو استئناف . وعلى قراءة العطف يكون « الراسخون في العلم » معطوفا على اسم الجلالة في « وما يعلم تأويله إلا اللّه » ويكون من ثم داخلا في حكم من يعلم
هامش
( 1 ) انظر : السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 113 .
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 14 - 15 .