تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
والقول بندرة النصوص مردود إلى طبيعة اللغة التي تعتمد على التجريد والتعميم في دلالتها ، وهذا من شأنه أن يجعل انتاج الدلالة في اللغة بشكل عام وفي النصوص الممتازة بشكل خاص لا يفارق جدلية النص / القارئ . ان تحديد المعنى المرجوح من المعنى الراجح في « الظاهر » أو « المؤوّل » تحديد مرهون بأفق قارئ وعقله ، وتحديد المحذوف المضمر في دلالة « الاقتضاء » يحتاج كذلك إلى قارئ . فإذا انتقلنا من دلالة « المنطوق » إلى مستويات دلالة « المفهوم » كانت الدلالة غير مفارقة لفعل القراءة بما تتضمنه من تأويل . وهذا كله مفهوم للدلالة يقترب إلى حد كبير من المفهوم المعاصر الذي يرى أن فعل القراءة - ومن ثم التأويل - لا يبدأ من المعطى اللغوي للنص ، أي لا يبدأ من المنطوق ، بل يبدأ - قبل ذلك - من الإطار الثقافي الذي يمثل أفق القارئ الذي يتوجه لقراءة النص « 1 » .

2 - المجمل

المجمل يقف في الطرف الآخر من النص وهو طرف الغموض كما سبقت الإشارة . وقد كان المثال الذي أشير إلى المجمل به قوله تعالى :
« وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ »
، وهو تركيب يحتمل قراءتين ويحتمل من ثم معنيين : القراءة الأولى : ولا يضارر على البناء للمعلوم ، والقراءة الثانية ولا يضارر على البناء للمجهول . وكلتا القراءتين تحتملهما الآية . لكن من الملاحظ أن « الاجمال » هنا نوع من الغموض الذي يجعل النص قابلا لتأويلين لا يتعارضان ، فسواء كان النهي للكاتب والشاهد ألا يضرا صاحب الحق أم كان لصاحب الحق ألا يضر الكاتب والشاهد ، فإنه نهى عن أن تؤدي كتابة الديون إلى ضرر . وإذا كان « الاجمال » هنا راجعا إلى الصيغة الصرفية للفعل ، فان القدماء يعددون أشكالا أخرى للاجمال المؤدي إلى الغموض مثل « الاشتراك » الدلالي للألفاظ و « الحذف » و « اختلاف مرجع الضمير » و « احتمال العطف والاستئناف » و « الغرابة » في اللفظ و « ندرة الاستعمال » على مستوى التركيب و « التقديم والتأخير » و « قلب المنقول » من الألفاظ و « التكرير القاطع لوصل الكلام » وكلها ظواهر لغوية وأسلوبية موجودة في نص القرآن « 2 » . وقد أشار القدماء إلى بعض الألفاظ « الغريبة » التي غمض معناها على الجيل الأول من المسلمين : فأخرج أبو عبيد في الفضائل عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله : « وفاكهة وأبّا » فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ان أنا قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم .
هامش
( 1 ) انظر :Peter W . Nesselroth , Literary Identity and Contextual Difference p . 51 .( 2 ) انظر السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 18 .