الكلام ولكنها ناتجة عن دلالة هذا المنطوق أو عن « المفهوم » . ومثال آخر هو قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً »
فالمنطوق يدل على حكم من يأكل مال اليتيم ظلما ، وهذه الدلالة الناتجة عن المنطوق تدل « بلحن الخطاب » على تحريم الاحراق لأنه مساو للأكل في الاتلاف .
والنوع الثاني من دلالة المفهوم هو ما يدل بالمخالفة وذلك في حالة أن يكون المنطوق دالا على مفهوم محدد لغويا بالوصف أو الحال أو الظرف أو العدد ، فيكون المفهوم المحدد دالا على نفي الحكم عن غيره ، أي عن غير الموصوف ، بطريق المخالفة ، مثال ذلك قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا »
فالمفهوم من هذا المنطوق وجوب التبين في خبر « الفاسق » ، وهذا المفهوم يدل على « أن غير الفاسق لا يجب التبيين في خبره ، فيجب قبول خبر الواحد العدل » « 1 » .
ومعنى ذلك أن دلالة المنطوق اللغوي للنصوص لا تتراوح بين الوضوح والغموض فحسب ولكنها تختلف من حيث طرق الدلالة أيضا ، فقد تكون الدلالة مباشرة وهي ما يطلق عليه القدماء « دلالة المنطوق » وقد تكون الدلالة دلالة « اقتضاء » كما في حالة الاضمار وقد تكون دلالة « إشارة » مثل استنتاج صحة صيام من أصبح جنبا من قوله تعالى :
« أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ »
. والدلالة الرابعة هي دلالة « المفهوم » التي تنقسم إلى دلالة موافقة وإلى دلالة مخالفة .
إن هذا التعدد في طرائق الدلالة اللغوية يعكس احساس القدماء أن طرائق الدلالة اللغوية تخالف طرائق الدلالة الأخرى مخالفة اللغة لغيرها من أنواع الدلالات . من هنا نفهم حصرهم مفهوم « النص » في التركيب اللغوي الدال بمنطوقه على مفهومه دلالة مباشرة واضحة ليس فيها لبس أو احتمال ، وادراكهم في نفس الوقت أن هذا النمط من الدلالة نادر جدا ، وهو ما عبروا عنه بقولهم بندرة النصوص :
وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا في الكتاب والسنة . وقد بالغ امام الحرمين وغيره في الرد قال : لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع مع انحسام جهات التأويل والاحتمال وهذا ان عز حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر السيوطي : ص 32 . هذا الانتقال من « المفهوم » إلى دلالته سواء بالموافقة أم بالمخالفة وهو ما يطلق عليه الفقهاء « الاستنباط » وهو باب لاستثمار الأحكام الفقهية من النصوص بدلالة « المفهوم » انظر أمثلة لذلك :
الزركشي : البرهان في علوم القرآن الجزء الثاني ، ص 4 - 6 ، ص 19 - 21 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 31 .