لا يضارهما صاحب الحق بالزامهما ما لا يلزمهما واجبارهما على الكتابة والشهادة . ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على اضمار سميت دلالة « اقتضاء » نحو « واسأل القرية » أي أهلها ، وان لم تتوقف ودل للفظ على ما لم تقصد به سميت دلالة « إشارة » كدلالة قوله تعالى :
« أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ »
على صحة صوم من أصبح جنبا إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا في جزء من النهار » « 1 » .
إن هذه الأقسام الأربعة تعتمد على التدرج من الوضوح إلى الغموض ، فالنص هو الواضح وضوحا تاما بحيث لا يحتمل سوى معنى واحد ، ويقابل « النصّ » المجمل الذي يتساوى فيه معنيان يصعب ترجيح أحدهما ، ويكون « الظاهر » أقرب إلى « النص » من حيث إن المعنى الراجح فيه هو المعنى القريب ، بينما يكون « المؤول » أقرب إلى « المجمل » من حيث إن المعنى الراجح فيه هو المعنى البعيد . ومعنى ذلك أن قطبي « الوضوح » و « الغموض » اللذين يندرج تحتهما « النص » و « المجمل » بينهما منطقة وسطى يقع فيها « الظاهر » و « المؤول » . في هذا التقسيم الرباعي يقع « المحكم » في منطقة وسطى بين « النص » و « الظاهر » ، ويقع المتشابه بين « المؤول » و « المجمل » « 2 » .
الوضوح الغموض ( النص الظاهر المؤوّل ( المجمل ) المحكم المتشابه لكن العلاقة بين المنطوق اللفظي والدلالة لا تقف عند حدود هذا التقسيم الرباعي ، فالمنطوق اللفظي قد لا يدل وحده ويحتاج إلى اضمار ، وقد يتجاوز المنطوق دلالته المباشرة إلى دلالة « ضمنية » . وتزداد المسألة تعقيدا حين ننظر إلى دلالة المفهوم ، وهي الدلالة الناتجة عن دلالة المنطوق . إن المنطوق يؤدي إلى مفهوم بدلالة الألفاظ ، ولكن المفهوم من الألفاظ قد يدل على معنى آخر وراءه ، وتتم هذه الدلالة اما بالموافقة واما بالمخالفة . مثال دلالة الموافقة قوله تعالى :
« فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ »
فالمنطوق هنا يدل على النهي عن قول « أف » للوالدين ، وهذه الدلالة تدل « بفحوى الخطاب » على تحريم ضربهما ، ذلك لأن النهي عن الضيق منهما بالكلام « أف » يتطلب بطريق الأولى النهي عن ايذائهما . وهذه الدلالة الثانية ليست ناتجة عن منطوق
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 31 - 32 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 4 .