تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
الدلالة من خلال جدلية « الغموض والوضوح » ، ولذلك فمن الضروري أن نتوقف عند الجوانب المختلفة التي ناقش القدماء من خلالها هذه الآلية . وهي جوانب تضم مجموعة من علوم القرآن إلى جانب علم المحكم والمتشابه .

1 - المنطوق والمفهوم ( ندرة النصوص )

يكاد القدماء في مناقشة العلاقة بين المنطوق اللفظي للنص وبين المفهوم الذهني الناتج عن هذا المنطوق يبلورون مفهوما للنص يقرن بينه وبين الوضوح ، بحيث يصبح « النص » هو التركيب اللغوي الذي يتطابق فيه المنطوق مع المفهوم تطابقا تاما . ولكنهم يدركون أيضا أن النصوص التي ينطبق عليها هذا المفهوم نادرة جدا وذلك بحكم الطبيعة الرمزية للغة التي تعتمد على طاقتي التجريد والتعميم . وعلى ذلك يقسمون التركيب اللغوي إلى أربعة أنماط وذلك طبقا لآليات العلاقة بين المنطوق اللفظي والمفهوم الذهني . النوع الأول هو « النص » وهو الدال بمنطوقه على معنى لا يحتمل غيره . والنوع الثاني هو « الظاهر » وهو الدال بمنطوقه على معنيين ، المعنى الظاهر منهما هو المعنى الراجح من المنطوق . والنوع الثالث هو « التأويل » وهو الذي يدل بمنطوقه على معنيين يكون المعنى الراجح منهما هو المعنى غير الظاهر وذلك على عكس النوع الثاني . والنوع الرابع هو النوع « الغامض » الذي يحتمل معنيين سواء على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز ويصعب تحديد المعنى المراد من المنطوق ، وهذا الغامض يطلقون عليه أحيانا اسم « المجمل » . وهذه الأقسام الأربعة كلها خاصة بالعلاقة بين منطوق التركيب اللغوي وبين المعنى أو الدلالة : المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق ، فان أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص نحو : « فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة » . . . ومع احتمال غيره احتمالا مرجوحا فالظاهر نحو :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ »
فان الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم وهو فيه أظهر وأغلب ، ونحو :
« وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ »
فإنه يقال للانقطاع طهر وللوضوء والغسل وهو في الثاني أظهر . وان حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا كقوله :
« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم والحفظ والرعاية ، وكقوله :
« وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ »
فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة أن يكون مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصح حمله عليهما جميعا فيحمل عليهما جميعا سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أولا ، ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين مرة أريد هذا ومرة أريد هذا . ومن أمثلته
« وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ »
فإنه يحتمل ولا يضارر الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور في الكتابة والشهادة ، ولا يضارر بالفتح أي