تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
ارتباطا مباشرا بجدله مع الواقع ، بل ترتبط أكثر بجدل الواقع معه من خلال فعل « القراءة » . والفارق بين جدل النص مع الواقع وبين جدل الواقع مع النص فارق في الأولية ليس إلا ، ففي مرحلة تشكيل النص في الثقافة تكون الثقافة « فاعلا » والنص « منفعلا » ، وان كان « انفعال » النص هنا - كما سبقت الإشارة - انفعالا من خلال آليات اللغة . وفي مرحلة تشكيل النص للثقافة يكون النص « فاعلا » والثقافة « منفعلا » ، فالثقافة هنا لا تشكل النص ، بل تعيد قراءته ، وهي من ثم تعيد تشكيل دلالته ولا تعيد تشكيل معطياته اللغوية . في هذا السياق الجدلي بين « النص » و « الثقافة » تكشفت آلية « الغموض والوضوح » بوصفها سمة من سمات النص . ولقد أشار النص ذاته إلى هذه السمة في الآية التي تقول : -
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
« 1 » . ولقد تم فهم « المحكم » على أساس أنه الواضح البين الذي لا يحتاج إلى تأويل ، كما فهم « المتشابه » على أساس أنه « الغامض » الذي يحتاج إلى تأويل . وكان القانون الذي اتفق عليه العلماء هو ضرورة رد المتشابه إلى المحكم ، أي تفسير « الغامض » استنادا إلى « الواضح » . ومعنى هذا القانون أن العلماء - على خلافاتهم الإيديولوجية حول هذه القضية وغيرها من القضايا - قد اتفقوا على أن النص هو معيار ذاته ، فالواضح المحكم يعد بمثابة « الدليل » لتفسير الغامض المتشابه وفهمه . ان أجزاء النص يفسر بعضها بعضا ، وليس مطلوبا من المفسر أن يلجأ إلى معايير خارجية لفض غوامض النص واستجلاء دلالتها . ويمكن التعبير عن هذا القانون بلغة النقد الأدبي فنقول إن النص يتضمن أجزاء تعد بمثابة « مفاتيح » دلالية تمكّن القارئ من الولوج إلى عالم النص وكشف أسراره وغوامضه . واحتواء النص على الغموض والوضوح يعد بمثابة آلية هامة للنص لتحويل فعل القراءة إلى فعل ايجابي يساهم في انتاج دلالة النص . وهكذا يكون انتاج الدلالة فعلا مشتركا بين النص والقارئ ، ويكون من ثم فعلا متجددا بتعدد القرّاء من جهة ، ومتجددا باختلاف « ظروف » القراءة من جهة أخرى . لقد ناقشنا في مكان آخر خلاف العلماء حول « المحكم والمتشابه » من منظور « التأويل » « 2 » وغايتنا هنا التركيز على الكيفية التي أدرك بها القدماء آليات النص في انتاج
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 7 . ( 2 ) انظر : الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 141 - 146 ، ص 164 - 190 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 178 | نصر حامد أبو زيد