الفصل الثالث الغموض والوضوح
تعد جدلية الغموض والوضوح من أهم خصائص النص في الدراسات النقدية الحديثة ، إذ الفارق بين النص ذي الطبيعة « الاعلامية » الخالصة وبين النص الأدبي يكمن في قدرة النص الأدبي على ابداع نظامه الدلالي الخاص داخل النظام الدلالي العام في الثقافة التي ينتمي إليها . وإذا كانت النصوص « الاعلامية » الخالصة تعتمد « الوضوح » معيارا للجودة والرداءة ، فان هذا المعيار في النصوص الأدبية يختلف باختلاف طبيعة النص وباختلاف النوع الأدبي الذي ينتمي اليه . ان من أهم خصائص النصوص الأدبية مع ذلك أن يخالف النص نفسه ولا يكتفي بالمخالفة بين نفسه وبين غيره من النصوص :
إن اختلاف النص ( عن غيره من النصوص ) ليس هو المميز له أو المحدد لهويته الخاصة ، ولكنها طريقة النص في الاختلاف مع ذاته . وهذا الاختلاف لا يمكن الوصول اليه إلا من خلال فعل القراءة . انها الطريقة التي تصبح بها الطاقة الدلالية للنص غير محدودة .
من خلال عملية التكرار ، وهي ليست إعادة للشيء نفسه ، بل لشيء مختلف : ان الاختلاف بكلمات أخرى ليس هو ما يميز نصا من آخر . انه ليس الاختلاف بين ( كيانين مستقلين ) ولكنه اختلاف في ( داخل النص ذاته ) « 1 » .
وفي حالة القرآن فقد سبق أن ناقشنا في « الاعجاز » الكيفية التي يفارق النص بها غيره من النصوص سواء على مستوى النص أم على مستوى فعل القراءة عند العلماء . وتتجلى الكيفية التي يخالف بها النص ذاته من خلال مجموعة من المستويات سبق أن ناقشنا بعضا منها في الفصول السابقة . تتجلى هذه الكيفية من خلال « المكي والمدني » سواء على مستوى المضمون أم على مستوى اللغة والصياغة . وتتجلى أيضا من خلال « الناسخ والمنسوخ » في اختلاف الأحكام . وإذا كانت قضايا « المكي والمدني » و « الناسخ والمنسوخ » تشير إلى مخالفة النص لذاته بتأثير علاقته بالواقع وجدله ، فان للنص آليات أخرى في مخالفة ذاته لا ترتبط
هامش
( 1 )Barbara johnson , The Critical Difference , p . 4