تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
« 1 » . فما هي العلاقة أو « المناسبة » بين ذكر الأهلة وبين حكم اتيان البيوت ؟ ويكتسب السؤال أهميته من أن « الموضوعين » تتضمنهما آية واحدة ، ولا بد من ثم أن يكون وجه « الترابط » قويا . ويحصر علماء القرآن وجه الارتباط بين جزأي الآية في أحد احتمالين : الاحتمال الأول أن يكون ذكر اتيان البيوت من ظهورها نوعا من « التمثيل » الرمزي لسؤالهم عن « الأهلة » . وفي هذا الاحتمال يفهم السؤال استنادا إلى سبب النزول على أنه لم يكن سؤالا استفهاميا بل كان سؤالا على سبيل التهكم والسخرية ، فقد تساءلوا : « ما بال الهلال يبدأ صغيرا ثم يكتمل بدرا ثم يعود هلالا صغيرا ؟ وما الحكمة في ذلك ؟ » . واستنادا إلى هذا « السبب » يكون النص في اجابته عن هذا السؤال قد تجاهله ، وأجاب عن سؤال آخر كان هو الذي يجب أن يسألوه - وذلك ما عرف بعد ذلك باسم « أسلوب الحكيم » - ثم سخر النص منهم ببيان أنهم في سؤالهم المعكوس هذا شأن من يأتي البيوت من ظهورها . وبناء على هذا الفهم تكون العلاقة بين جزأي الآية هي علاقة الممثول بالمثل . ويكون الجزء الثاني من الآية : من قبيل التمثيل لما هم عليه ، من تعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ، ولكن البر من اتقى ذلك . ثم قال سبحانه :
( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها )
، أي باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ، ولا تعكسوا « 2 » . إن النص في مثل هذا الفهم يحول الحدث الخارجي - سبب النزول - إلى صورة رمزية تمثيلية ، فهو لا يعكس الحدث عكسا آليا ولا يعبر عنه بطريقة ميكانيكية ، انه يعكسه ويتجاوزه في نفس الوقت بتحويله إلى صورة مجازية . ولكن علينا أن نلاحظ أن هذا فهم يعتمد على ضرب من التأويل وان كان معتمدا على سبب النزول . ويعتمد التأويل هنا على « التقابل » بين المعنى الناتج عن معرفة سبب النزول وبين « الصورة » المجازية المنتزعة من اتيان البيوت من ظهورها . والاحتمال الثاني في وجه ارتباط جزأي الآية يتباعد عن هذا الفهم « التمثيلي » لصور اتيان البيوت من ظهورها ، ويكتفي بالتركيز على علاقة النص بالواقع ، فيذهب إلى أن إتيان البيوت من ظهورها نوع من الاستطراد بعد ذكر « الحج » ردا على سؤالهم عن الهلال .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 189 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 41 .