يتأتى تمام الصواب فيه إلا للأعراب الخلّص . والأقوام طبعوا على البلاغة ، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد . وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة ، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال : معرفة الفصل من الوصل ، ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لاحراز الفضيلة فيه أحد الا كمل لسائر معاني البلاغة « 1 » .
ويبدو أن الآيات الأولى من سورة « الاسراء » كان لها في مبحث « المناسبة » مكانة خاصة من حيث أن العلاقات بينها تحتاج إلى الكشف عنها بعيدا عن علاقات العطف المألوفة . ان الآية الأولى تتحدث عن « الاسراء » ، وتنتقل الآية الثانية إلى الحديث عن موسى وبني إسرائيل والآيتان معطوفتان بالواو . وتصف الآية الثالثة بني إسرائيل وصفا خاصا بأنهم ذرية من حملنا مع نوح وتستطرد في وصف نوح بأنه « كان عبدا شكورا » ، ثم تأتي الآية الرابعة إلى ذكر وعد اللّه لبني إسرائيل ويستمر ذلك إلى الآية الثامنة . وفي الآية التاسعة ينتقل النص للحديث عن القرآن . ونلاحظ في هذه الآيات كلها اختلاف الفواصل فالفاصلة في الآية الأولى الراء وفي الآية الثانية اللام الممدودة . وفي الآيات من الثالثة إلى التاسعة تكون الفاصلة هي الراء الممدودة . ويكون السؤال ما هي العلاقة بين الاسراء وبين ذكر بني إسرائيل ، ولما ذا التركيز على كونهم من ذرية من حمل مع نوح مع أن التصور أن البشر جميعا من هذه الذرية لبني إسرائيل وحدهم ؟ ثم ما دلالة الانتقال إلى ذكر القرآن بعد ذلك ؟
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا . ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً . وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً . فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً . عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
.
وفي محاولة الباقلاني الكشف عن وجه الارتباط بين هذه الآي بوصفه وجها من وجوه الاعجاز يرى أن ما يبدو « فصلا » بين الآية الأولى والآية الثانية هو في حقيقته « وصل » يرتد
هامش
( 1 ) دلائل الاعجاز : ص 230 .