والآية الثانية قوله تعالى : -
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
« 1 » .
وسبب نزول الآية الأولى أن كعب بن الأشرف : - كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرّض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فسألوه : من أهدى سبيلا النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أو هم ؟ فقال : أنتم - كذبا منه وضلالة - لعنه اللّه :
فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة ، وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها « 2 » .
وقد نزلت الآية الثانية في شأن « مفاتيح الكعبة » « في الفتح أو قريبا منها ، وبينهما ست سنين « 3 » ان وجه المناسبة بين الآيتين هنا لا ينكشف إلا بمعرفة أسباب النزول .
قال ابن العربي : وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقولهم : ان المشركين أهدى سبيلا . فكان ذلك خيانة منهم ، فانجر ذلك إلى ذكر جميع الأمانات « 4 » .
لكن السؤال الفقهي يظل : أي الآيتين تدخل في حكم الأخرى ؟ وأيتهما العامة وأيتهما الخاصة ؟ أيتهما تمثل « الأصل » الذي يستثمر منه الحكم وأيتهما تمثل « الفرغ » الذي ينطبق عليه حكم الأصل . إن الإجابة هنا واضحة فالآية الثانية تدل بصيغتها على « وجوب » رد الأمانة وذلك باستخدام صيغة التأكيد « ان » واستخدام لفظ « يأمر » في حين أن الآية الثانية وردت مورد الخبر ، وما جاء على صيغة الأمر لا يرقى في دلالته على الحكم إلى ما جاء على صيغة الخبر . إن دلالة الآية الأولى على « خيانة الأمانة » دلالة نابعة من ادراك المفسر لعلاقة « التناسب » ، وليست نابعة من « سبب النزول » وحده . ومعنى ذلك أن « السبب » و « المناسبة » يتعاونان في الكشف عن دلالة النص ، ولا يؤديان إلى أي غموض في دلالته . إن اكتشاف المناسبة هو الذي يسهل على السيوطي القول بان معنى الآية الثانية :
عام في كل أمانة وذاك خاص بأمانة هي صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . . . والعام تال للخاص في
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآيتان 51 ، 58 .
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 26 .
( 3 ) المصدر السابق نفسه .
( 4 ) المصدر السابق نفسه .