تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ويكون الانتقال من قصة بني إسرائيل إلى ذكر القرآن خروجا آخر إلى حكمة القرآن ، لأنه الآية الكبرى . وعلى هذا فقس الانتقال من مقام إلى مقام « 1 » . إن المناسبة بين الاسراء وبين قصة بني إسرائيل يمكن أن تكتشف من زاويتين : الزاوية الأولى أن حدث الاسراء كان الهدف منه معاينة الغيب وهو هدف يمكن أن يتحقق بالقصص القرآني . والفارق بين الاسراء والقصص ان الاسراء يعتمد على « العيان » بينما يعتمد القصص على « البيان » . لقد كان حدث الاسراء معاينة للغيب الميتافيزيقي ، والقصص بمثابة أخبار أو « بيان » للغيب التاريخي . الزاوية الثانية التي يمكن من خلالها اكتشاف « المناسبة » التشابه بين « اسراء » محمد ليلا وبين خروج موسى من مصر خائفا يترقب بعد أن وكز المصري فقتله . والانتقال بعد ذلك إلى ذكر « نوح » يعطي للقصة كلها دلالتها في سياق علاقة النص بالواقع ، فليس الغرض من القصص القرآني مجرد التسلية أو المتعة ، بل الهدف منه - إلى جانب دلالته على اطلاع محمد على الغيب التاريخي - يرتبط بمجمل هدف النص وغايته ، وهو تغيير الواقع من خلال الجدل معه ، لذلك يعد ذكر نوح نوعا من التذكير لبني إسرائيل المعاصرين بتلك النعمة التي أنعم اللّه بها عليهم حين نجّاهم مع نوح . لذلك كان وصف نوح بأنه عبد شكور وصفا على سبيل الرمز والايماء لما يجب عليهم من شكر نعمة ارسال محمد ، هذا بالطبع إلى جانب ما يحققه الوصف من قيمة ايقاعية تربط الآية بالآيات التالية . ويكون الانتقال إلى ذكر القرآن في الآية التاسعة انتقالا للحديث عن آية ثالثة هي الآية الكبرى وذلك بعد الحديث عن آية الاسراء وعن آية الانباء عن الغيب بما تتضمنه داخليا من آيات الانقاذ من الغرق والوعد الذي وعده اللّه لبني إسرائيل . وهكذا تترابط الآيات على مستوى المضمون وعلى مستوى الشكل كما تترابط من حيث دلالتها على الواقع الذي يتجادل معه النص ، وهو الواقع الذي يضم النبي ويضم بني إسرائيل . وإذا كانت الآيات السابقة لم تحتج في بيان « المناسبة » بينها إلى معرفة « سبب النزول » فان اكتشاف « المناسبة » يحتاج في بعض الآيات إلى معرفة « سبب النزول » من أجل اكتشاف المعنى والدلالة الذي يساعد المفسر على اكتشاف وجه الترابط أو « المناسبة » مثال ذلك قوله تعالى : -
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 43 .