2 - المناسبة بين الآيات
إذا كان البحث عن المناسبة بين السور قد حاول كما رأينا أن يقيم للنص وحدة عامة تعتمد على تأسيس علاقات متعددة ومختلفة ذات طابع « تأويلي » في أغلب الأحيان ، فان البحث عن المناسبة بين الآيات يدخلنا مباشرة في صميم الدرس اللغوي لآليات النص .
ومن المهم أن نلاحظ هنا أن علم « المناسبة » لا يبحث عن علاقات خارجية ، ولا يستند إلى شواهد من خارج النص ، فالنص في هذا العلم هو شاهد ذاته ، وهو الذي يؤسس معايير علاقاته بناء على طريقة تركيبه اللغوي أو العقلي أو الحسي . وليس معنى ذلك أن هذه العلاقات علاقات « موضوعية » مفارقة لحركة عقل القارئ والمفسر ، بل هي علاقات ناتجة عن جدل القارئ مع النص في عملية القراءة .
إن مفهوم « وحدة » النص مفهوم يرتد إلى قضية الاعجاز ، وهي قضية ترتد في جانب كبير منها - كما سبقت الإشارة في الفصل السابق - إلى مغايرة قائل النص - اللّه - لغيره من المتكلمين . لذلك يتجنب العلماء في علم « المناسبة » الحديث عن المناسبة بين الآيات التي يكون وجه الارتباط بينها واضحا مثل :
إذا كانت الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد « 1 » .
كما يتجنبون مناقشة النماذج التي تكون الآية فيها معطوفة على الآية السابقة عليها ويكون وجه العطف بين الآيتين قائما على أساس من جهة جامعة كالنظيرين والشريكين .
وقد تكون العلاقة بينهما المضادة وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب ، والرغبة بعد الرهبة . وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ، ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق ، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ، ليعلم عظم الآمر والناهي « 2 » .
وانما يكون التركيز على تلك الآيات المعطوفة على بعضها دون أن يكون للعطف وجه واضح من الوجوه المعروفة التي أسهب عبد القاهر في شرحها وتحليلها في باب « الفصل والوصل » . وهو باب يؤكد على أهميته قائلا : - اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى من أسرار البلاغة ، ومما لا
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 40 .
( 2 ) المصدر السابق نفسه .