يفسر علاقات بعض السور . وإذا كانت سورة « فاطر » أيضا تبدأ بالحمد فان المناسبة بينها وبين السورة السابقة عليها هي العلاقة بين الحمد والفصل والقضاء ، حيث تنتهي سورة « سبأ » السابقة عليها بقوله تعالى :
« وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ »
. ومع ذلك فيمكن الاستئناس هنا بنص آخر ان قال قائل ان موقف « فصل القضاء » لا يشبه الموقف في نهاية سورة « سبأ » ، وهو موقف « الحيلولة » بين الكافر وبين ما يريد ذلك النص هو قوله تعالى :
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
« 1 » ولا شك أن « قطع الدابر » أشد دلالة على « الحيلولة » من حيث هو قضاء على الوجود ذاته .
وثمة علاقات بين السور لا تحتاج لهذا القدر من التأويل ، بل تعتمد على وجود نوع من الترابط اللغوي أو تعتمد على التكرار اللغوي بين لفظ في آخر السورة ولفظ في أول السورة التي تليها . من النمط الثاني انتهاء سورة « الواقعة » بالأمر بالتسبيح وافتتاح سورة « الحديد » بالتسبيح . ومن النمط الأول العلاقة بين سورتي « الكهف » و « الاسراء » ، ورغم أن العلاقة بين هاتين السورتين تكتشف من خلال بدايتهما لا من خلال نهاية الأولى وبداية الثانية كما في الأمثلة السابقة ، فان اقتران التسبيح بالحمد في الصيغة الدعائية « سبحان اللّه والحمد للّه » هو الذي يقيم الرابطة بين السورتين ، حيث تبدأ سورة الإسراء بقوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا »
بينما تبدأ سورة « الكهف » بقوله :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ »
.
لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد ، يقال : سبحان اللّه والحمد للّه « 2 » .
وبناء على فكرة التشابه بين بدايات السور يستطيع عالم القرآن أن يفسر ترتيب السور التي تبدأ بحروف متشابهة مثل « حم » وهي السور التي أطلق عليها اسم « الحواميم » « 3 » ، ولكن المناسبة بين السور القصيرة يمكن أن تدخلنا في علاقات لغوية أكثر تحديدا . إن العلاقة بين سورة « الفيل » وسورة « قريش » علاقة ارتباط لغوي تحوّلهما إلى سورة واحدة لو تقبلنا منظور القدماء لهما . وإذا كانت السورة الأولى تنتهي بقوله تعالى :
« فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ »
فان السورة الثانية تبدأ باللام
« لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ »
وبدلا من أن تكون هذه اللام متعلقة بالمحذوف العامل في « رحلة الشتاء والصيف » تكون متعلقة بنهاية السورة الأولى
« فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ »
.
هامش
( 1 ) سور الأنعام : الآية 245 ، وانظر سورة الزمر : الآية 75
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 39 .
( 3 ) المصدر السابق : ص 260 .