تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وأما المائدة فسورة العقود وبهن تمام الشرائع ، قالوا : وبها تم الدين ، فهي سورة التكميل . بها ذكر الوسائل كما في الأنعام والأعراف ذكر المقاصد ، كالتحليل والتحريم ، كتحريم الدماء والأموال وعقوبة المعتدين . وتحريم الخمر من تمام حفظ العقل والدين . وتحريم الميتة والدم والمنخنقة ، وتحريم الصيد على المحرم من تمام الاحرام . واحلال الطيبات من تمام عبادة اللّه . ولها ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم كالوضوء والحكم بالقرآن فقال تعالى :
( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً )
وذكر أنه من ارتد عوض اللّه بخير منه ولا يزال هذا الدين كاملا ، ولهذا قيل : انها آخر القرآن نزولا ، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها « 1 » . ولكن هذه العلاقات المضمونية كلها لا تنفي وجود علاقات لغوية وأسلوبية أخرى كما سبقت لنا الإشارة في العلاقة الخاصة بين سورة الفاتحة وسورة البقرة . ومن الطبيعي أن يكون اكتشاف هذه العلاقات اللغوية والأسلوبية معتمدا بدوره أيضا على نوع من التأويل لا يختلف كثيرا عن التأويل الذي يتم على أساسه اكتشاف العلاقات المضمونية . من هذا التأويل الذي يتم به اكتشاف العلاقة بين آخر سورة « المائدة » وأول سورة « الأنعام » . تنتهي سورة المائدة بقوله تعالى :
« قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. وتبدأ سورة « الأنعام » بقوله تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. وقد يذهب الباحث المعاصر إلى الاكتفاء بتكرار ألفاظ « السماوات والأرض » في نهاية السورة الأولى وبداية السورة الثانية لإقامة « المناسبة » أو « العلاقة » اللغوية بينهما . لكن الاعتماد على مجرد ظاهرة التكرار لا يكفي عالم القرآن الذي يريد أن يجد للعلاقة التي يكتشفها سندا من النص ذاته ، ولو من جزء ثالث منه . لذلك يتجاوز عالم القرآن مجرد الوقوف عند الآية الأخيرة ليتأمل الموقف في الآيات الخمس الأخيرة كلها من سورة المائدة حيث يفصل اللّه بين عيسى بن مريم وبين قومه يوم القيامة في شأن ادعائهم ألوهيته . وإذا كان الموقف العام لنهاية السورة موقف « الفصل » ، فان علاقته ببداية سورة الأنعام التي تبدأ « الحمد للّه » علاقة يمكن اكتشافها استنادا إلى جزء ثالث في النص هو قوله تعالى :
« وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
« 2 » . إن الارتباط الذي يؤسسه النص بين « القضاء والفصل » وبين « الحمد » يتحول إلى قانون عام
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 262 . ( 2 ) سورة الزمر : الآية 75 ، وانظر : الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 38 .