ومعنى ذلك أن الأحكام التي تدل عليها سورة الفاتحة ، تتضمن سورة البقرة « الدليل » عليها وتتضمن سورة آل عمران « الجواب على شبهات الخصوم » الخاصة بهذا الدليل . ولما كانت شبهات الخصوم على الدليل الاسلامي تأتي من جانب اليهود أو من جانب النصارى ، فقد كان من الطبيعي أن تسبق سورة البقرة سورة آل عمران ، بحكم أسبقية علاقة الاسلام باليهود من جهة بحكم التجاور المكاني ، وبحكم أسبقية التوراة للإنجيل من جهة أخرى من الناحية التاريخية :
وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر ، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر ، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب . ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب بها جميع الناس ، والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب ، فخوطبوا يا أهل الكتاب ، يا بني إسرائيل « 1 » .
ومن الطبيعي بعد ذلك كله أن تكون سورتا « النساء » و « المائدة » متضمنتين لتفاصيل الأحكام والشرائع ، حيث تتضمن السورة الأولى أحكام العلاقات الاجتماعية بين البشر ، بينما تتضمن السورة الثانية أحكام العلاقات التجارية والاقتصادية . وإذا كانت الأحكام التشريعية - سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية أو على مستوى العلاقات الاقتصادية - مجرد وسائل لغايات ومقاصد أخرى هي حماية المجتمع والحفاظ على سلامته ، فان هذه المقاصد تتكفل بها سورتا الأنعام والأعراف . وبذلك يكون ترتيب السور داخل المصحف قائما على أساس البدء بالكليات التي تصوغها أولا سورة الفاتحة ، ثم تتكفل سورة البقرة بالكشف عن الأحكام . وعلى حين تمثل سورة آل عمران « الجواب على شبهات الخصوم » الخاصة بهذه الأحكام ، تكون سورتا النساء والمائدة بمثابة تفصيل تشريعي للحدود في مجال العلاقات ، ثم تتكفل السورتان التاليتان ببيان مقاصد الشريعة وغاياتها من هذه الأحكام التفصيلية .
وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان :
مخلوقة للّه تعالى ، ومقدورة لهم ، كالنسب والصهر ، ولهذا افتتحها اللّه بقوله :
( رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها )
ثم قال :
( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ )
، وبيّن الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم ، وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث . ومنها العهود التي حصلت بالرسالة ، والتي أخذها اللّه على الرسل .
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 261 .