تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢

1 - المناسبة بين السور

كان من الطبيعي وقد انطلق العلماء إلى البحث في « المناسبة » بين السور والآيات من منطلق التساؤل عن الحكمة في جعل آية إلى جنب آية وفي جعل سورة إلى جنب السورة أن يحاولوا ايجاد روابط عامة بين السور من حيث المضمون أولا . وكان من الضروري أن تحتل سورة « الفاتحة » مكانة خاصة من حيث إنها تمثل المدخل الأساسي للنص كما يتبين من اسمها « الفاتحة » أو « أم الكتاب » . إن الفاتحة لا بد اذن أن تتضمن - ولو على سبيل الإشارة - كل أقسام القرآن . انها بمثابة الافتتاحية ، أو الحركة الأولى في القصيدة السيمفونية ، لا بدّ أن تومئ إلى باقي الحركات . وعلى ذلك يمكن حصر علوم القرآن في ثلاثة أقسام ، تشير سورة الفاتحة إلى كل قسم منها على سبيل التمهيد والافتتاح ، وبذلك تكتسب مكانتها بوصفها « أم الكتاب » : أم علوم القرآن ثلاثة أقسام : توحيد وتذكير وأحكام ، فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله . والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن . والأحكام ومنها التكاليف وتبيين المنافع والمضار ، والأمر والنهي والندب . . . ولهذا المعنى صارت فاتحة الكتاب أم الكتاب ، لأنه فيها الأقسام الثلاثة : فأما التوحيد فمن أولها إلى قوله :
« يَوْمِ الدِّينِ »
، وأما الأحكام ف
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
وأما التذكير فمن قوله « اهدنا » إلى آخرها ، فصارت بهذا أمّا لأنه يتفرع عنها كل نبت « 1 » . وإذا كان انحصار أقسام القرآن في هذه العلوم الثلاثة - التوحيد والتذكير والأحكام - قد أدى إلى كشف العلاقات بين الفاتحة والقرآن كله ، فإنه يفسر أيضا ما قيل عن سورة الاخلاص من أنها تعدل « ثلث » القرآن : لذلك قيل في معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
تعدل ثلث القرآن ، يعني في الأجر ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وقيل ثلثه في المعنى . لأن القرآن ثلاثة أقسام كما ذكرنا . وهذه السورة اشتملت على التوحيد « 2 » . ولكن علينا أن نلاحظ أن هذه العلاقات العامة ليست بديلا عن العلاقات الخاصة التي توجد بين السورة - سورة الفاتحة - وبين السورة التالية لها وهي سورة البقرة . والعلاقة الخاصة أقرب إلى أن تكون علاقة أسلوبية لغوية في حين تكون العلاقات العامة علاقات في المضمون والمحتوى . هذه العلاقة الأسلوبية اللغوية تتمثل في أن سورة « الفاتحة » تنتهي
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 17 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 17 .