تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
تأسيس علاقة بين عقل المفسر وبين النص ، من خلالها يتم اكتشاف علاقات أجزاء النص . من هنا قد يعتمد مفسر على بعض معطيات النص ليكتشف من خلالها علاقات خاصة ، بينما يعتمد مفسر آخر على معطيات أخرى فيكشف عن نمط آخر من العلاقات . ان العلاقات أو « المناسبات » بين أجزاء النص ليست في حقيقتها إلا وجها آخر للعلاقة بين عقل المفسر أو القارئ وبين معطيات النص . أو لنقل بعبارة أخرى ان المفسر يكتشف جدلية أجزاء النص من خلال جدله هو مع النص . ولعل ذلك هو الذي دعا بعض العلماء إلى الاعتراض على علم « المناسبة » ، وذلك انطلاقا من البعد « التاريخي » للنص وهو بعد ارتباط الآية بسبب خاص : وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : المناسبة علم حسن ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوله بآخره . فان وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر . قال : ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فان القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، مع اختلاف العلل والأسباب ، كتصرف الملوك والحكام والمفتين ، وتصرف الانسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها ، واختلاف أوقاتها « 1 » . وقد وهم عز الدين بن عبد السلام كما يقول القدماء لا لأن القرآن « على حسب الحكمة ترتيبا » فحسب ، بل لأنه خلط بين التصرف العام وبين التصرف اللغوي . ان للغة آلياتها الخاصة التي بها تمثل الواقع ، فهي لا تمثل الوقائع تمثيلا حرفيا بل تصوغها صياغة رمزية وفق آليات وقوانين خاصة . من هنا قد تكون العلاقات بين « الوقائع » الخارجية مفتقدة ، ولكن اللغة تصوغ هذه « الوقائع » في علاقات لغوية . والنص القرآني وان كانت أجزاؤه تعبيرات عن وقائع متفرقة نص لغوي له قدرة على تنمية وابداع علاقات خاصة بين الأجزاء ، وهي العلاقات أو المناسبات التي يبحث فيها هذا العلم . إن الوقائع الخارجية في النص القرآني يمكن أن تتماثل مع « الأغراض » المتعددة أو « الموضوعات » الخارجية المختلفة للقصيدة الجاهلية . وإذا كانت هذه الأغراض والموضوعات لم تمنع كون القصيدة « وحدة » من العلاقات التي يتحتم أن يكشفها الناقد أو القارئ ، فان « وحدة » النص القرآني بوصفه « بناء مترابط الأجزاء » - على حد تعبير القدماء - هي الغاية التي يبحث عنها « علم المناسبة » .
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 37 .