تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩

الفصل الثاني المناسبة بين الآيات والسور

إذا كان علم « أسباب النزول » يربط الآية أو المجموعة من الآيات بسياقها التاريخي ، فان علم المناسبة بين الآيات والسور يتجاوز الترتيب التاريخي لأجزاء النص ليبحث في أوجه الترابط بين الآيات والسور في الترتيب الحالي للنص وهو ما يطلق عليه « ترتيب التلاوة » في مقابل « ترتيب التنزيل » . وإذا كان فهم علماء القرآن قد انتهى إلى أن ترتيب الآيات داخل السورة ترتيب « توقيفي » فإنهم اختلفوا في ترتيب السور داخل المصحف ، هل هو توقيفي أم توفيقي « 1 » ولكن العلماء المتأخرين يميلون إلى جعل ترتيب السور داخل المصحف توقيفي أيضا ، وذلك لاتساق هذا الفهم مع تصور الوجود الأزلي السابق للنص في اللوح المحفوظ . إن الفارق بين ترتيب « التنزيل » وبين ترتيب « التلاوة » فارق في النظم والتأليف يمكن أن يجعل الكشف عن « المناسبة » بين الآيات داخل السورة الواحدة ، وبين السور المختلفة كشفا عن وجه آخر من وجوه الاعجاز : فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف . وحافظ القرآن العظيم لو استفتي في أحكام متعددة أو ناظر فيها ، أو أملاها لذكر آية كل حكم على ما سئل . وإذا رجع إلى التلاوة لم يقل كما أفتى ، ولا كما نزل مفرقا ، بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة . ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ، فإنه
( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )
. وقال : والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة . ثم المستقلة ، ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جم ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له » « 2 » . من هذه الزاوية يرتبط علم « المناسبة » بقضية الاعجاز من حيث هي في حقيقتها بحث
هامش
( 1 ) انظر هذا الخلاف في السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 60 - 63 . والزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 256 - 262 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 37 .