تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
في آليات النص الخاصة التي تميزه عن غيره من النصوص داخل الثقافة . إن الفارق بين علم « المناسبة » وعلم « أسباب النزول » فارق بين درس علاقات النص في صورتها الأخيرة النهائية ، وبين درس أجزاء النص من حيث علاقاتها بالظروف الخارجية ، أو بالسياق الخارجي لتكون النص وتشكله . انه بعبارة أخرى فارق بين البحث عن جماليات النص وبين البحث عن دلالة النص على الوقائع الخارجية . من هنا نفهم اصرار القدماء على أن علم أسباب النزول علم « تاريخي » في حين أن علم المناسبة علم « أسلوبي » بمعنى أنه يهتم بأساليب الارتباط بين الآيات والسور : واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ، ويعرف به قدر القائل فيما يقول . والمناسبة في اللغة : المقاربة ، وفلان يناسب فلانا ، أي يقرب منه ويشاكله . ومنه النسيب الذي هو القريب المتصل ، كالأخوين وابن العم ونحوه ، وان كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما ، وهو القرابة . ومنه المناسبة في العلة في باب القياس : الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ، ولهذا قيل : المناسبة أمر معقول ، إذا عرض على العقول تلقته بالقبول . وكذلك المناسبة في فواتح الآي وخواتمها ، ومرجعها - واللّه أعلم - إلى معنى ما رابط بينهما : عام أو خاص ، عقلي أو حسي أو خيالي ، وغير ذلك من أنواع العلاقات . أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب ، والعلة والمعلول ، والنظيرين ، والضدين ونحوه . أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر . وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض ، فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء « 1 » . إن « المناسبة » بين الآيات والسور تقوم على أساس أن النص وحدة بنائية مترابطة الأجزاء . ومهمة المفسر محاولة اكتشاف هذه العلاقات أو « المناسبات » الرابطة بين الآية والآية من جهة ، وبين السورة والسورة من جهة أخرى . وبديهي أن اكتشاف هذه العلاقات يعتمد على قدرة المفسر وعلى نفاذ بصيرته في اقتحام آفاق النص . إن المناسبة قد تكون عامة وقد تكون خاصة ، قد تكون عقلية ذهنية أو حسية أو خيالية ، وقد تعتمد العلاقات على التلازم سواء كان تلازما ذهنيا أم حسيا خارجيا . ومعنى ذلك أن « العلاقات » و « المناسبات » احتمالات ممكنة على المفسر أن يحاول اكتشافها وتحديدها في كل جزء من أجزاء النص . إن اكتشاف علاقات الآيات والسور ليس معناه بيان علاقات مستقرة كائنة ثابتة في النص ، بل معناه
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 35 - 36 .