تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إن المعاني وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية ، وان كانت تظهر في الكلام لأجلها . ولذلك نجد المعبّرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفقا ؛ وقد يكون أحد المعنيين أحسن وأرفع ، والمعبّر عنه في الفصاحة أدون ، فهو لا بد من اعتباره ، وان كانت المزية تظهر بغيره . على أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد ، فاذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها « 1 » . وعلينا هنا أن نفهم ما يقصده عبد الجبار بالمعاني على أساس أنها « الأغراض » العامة والأفكار كما قال عبد القاهر بعد ذلك . من هنا يحرص القاضي على جعل المزية والفصاحة في « الألفاظ » . ولا يقصد عبد الجبار بالألفاظ المفردات اللغوية فالفصاحة عنده ترتبط بالتركيب ، أو بالضم على طريقة مخصوصة : اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام ، وانما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة « 2 » . وإذا كان للألفاظ جهات شتى من حيث علاقتها بالعالم الذي تشير اليه ( المواضعة ) ، ومن حيث علاقتها ببعضها البعض في التركيب اللغوي ، فان القاضي عبد الجبار يستبعد « المواضعة » من أن يكون لها دخل في الفصاحة أو في تحديد مزية الكلام . ان المواضعة لا دخل لها في تحديد خصائص الكلام من حيث هو كلام ، فالكلام كله - فصيحا كان أم غير فصيح - ينتمي إلى مجال اللغة ، وهي كلها تعتمد على « المواضعة » . وانما تكون المزية في التأليف والتركيب ، أي نظم الكلام على طريقة مخصوصة . ويحدد القاضي عبد الجبار مفهومه للتأليف والنظم على النحو التالي : - فالذي به تظهر المزية ليس إلا الابدال الذي به تختص الكلمات ، أو التقدم والتأخر ، الذي يختص الموقع ، أو الحركات التي تختص الاعراب ، فبذلك تقع المباينة . ولا بد في الكلامين اللذين أحدهما أفصح من الآخر أن يكون انما زاد عليه بكل ذلك أو ببعضه . ولا يمتنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في موضع أفصح منها إذا استعملت في غيره وكذلك فيها إذا تغيرت حركاتها . وكذلك القول في جملة من الكلام فيكون هذا الباب داخلا فيما ذكرناه من موقع الكلام لأن موقعه قد يظهر بتغير المعنى ، وقد يظهر بتغير الموضع ، وبالتقديم والتأخير « 3 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 199 - 200 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 199 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل ، الجزء السادس عشر ، ص 200 .