تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
ومن شأن هذا التصور أن يؤدي إلى عجز في التحليل ووقوع في الخطابية من نمط قوله مثلا : ثم تأمل قوله :
( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ )
. هل تجد كل لفظة وهل تعلم كل كلمة تستقل بالاشتمال على نهاية البديع وتتضمن شرط القول البليغ ؟ فإذا كانت الآية تنتظم من البديع وتتألف من البلاغات فكيف لا تفوت حد المعهود ولا تجوز شأو المألوف ؟ وكيف لا تحوز قصب السبق ولا تتعالى عن كلام الخلق ؟ « 1 » . وقد تصور الباقلاني أن توجهه بالهدم على قصائد امرئ القيس والبحتري من شأنه أن يثبت له دعوى « الاعجاز » ومفارقة القرآن لكلام البشر ، ولكنه لم يدرك أن « مفارقة » الاعجاز لا بد أن تستند إلى قوانين يمكن للبشر فهمها حتى تثبت دلالة النص على نبوة النبي ، ويثبت من ثم صدق الوحي . ولذلك يكاد الباقلاني يرتد بقضية الاعجاز كلها - دون أن يدري - إلى « العجز » الذي صاحب التحدي ، وهو مفهوم لا يكاد يختلف كثيرا عن مفهوم « الصرفة » . ان الاعتماد هنا في اثبات « الاعجاز » لا يستند إلى تحليل لغوي لبناء النص ، ولكنه يعتمد على اثبات « حقيقة » أن العرب أهل اللسان والفصاحة عجزوا عن الاتيان بمثله . وهذا الدليل الخارجي - دليل العجز - يظل دليلا مستمرا في العصور التالية ، لأن العرب الذين كانوا معاصرين لتشكيل النص ونزول الوحي كانوا أقدر على الاتيان بمثله بحكم تفوقهم الذي لا وجود له في العصور التالية . ان القرآن - في ظل هذا الفهم - معجز لأن العرب عجزوا عن الاتيان بمثله في الماضي ، وهو معجز لأن الأجيال التالية حتى الآن أشد عجزا بحكم ضعف « الابداع » مع تأخر العصور : - إذا علمنا أن أهل ذلك العصر كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله فمن بعدهم أعجز لأن فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون فيه من القول مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم . وأحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم ، فأما أن يتقدموهم ويسبقوهم فلا . ومنها أنا قد علمنا عجز أهل سائر الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول ، والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد لأن التحدي في الشكل على جهة واحدة والتنافر في الطباع على حد والتكلف على منهاج لا يختلف « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 56 ، وانظر أيضا قوله ص 65 « وهذه ثلاث كلمات كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر » . ( 2 ) اعجاز القرآن : الجزء الثاني : ص 146 - 147 .