تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
إن عبد الجبار يحدد الفصاحة من خلال ثلاثة أبعاد في التركيب اللغوي هي : الابدال الذي به تختص الكلمات . والمقصود بالابدال اختيار كلمة معينة من بين كلمات أخرى يمكن أن تصلح للاستخدام في السياق الخاص . والعبد الثاني هو « الموقع » الذي يختص بالتقديم والتأخير ، والبعد الثالث هو « الاعراب » الذي يختص بالموقع النحوي للكلمة في عبارة بعينها . ولا شك أن تفرقة عبد الجبار بين « الموقع » و « الاعراب » تفرقة هامة هنا من حيث أن للموقع دلالة مغايرة لدلالة « الاعراب » وان كان كلاهما يقع على مستوى العلاقات السياقية . وإذا كان المقصود « بالابدال » الذي تختص به الكلمات مستوى العلاقات الدلالية أمكن لنا القول إن القاضي عبد الجبار قد وضع بذلك الأساس المكين الذي بنى عليه عبد القاهر نظريته في النظم . وليس تفسيرنا « للابدال » عند عبد الجبار قائما على التخمين ، فهو يشير إلى هذا البعد أحيانا باسم المواضعة التي تتناول الضم وذلك حين يقول : - ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة ، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم ، وقد تكون بالاعراب الذي له مدخل فيه ، وقد تكون بالموقع ، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع ، لأنه اما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها ، ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة « 1 » . ومن المؤكد أن « المواضعة التي تتناول الضم » هنا والتي يضعها القاضي جنبا إلى جنب مع « الاعراب » و « الموقع » ليست المواضعة اللغوية ، أي المواضعة بوصفها علاقة بين الألفاظ وما تشير اليه ، ذلك أن المواضعة بهذا المعنى لا مدخل لها في الفصاحة على الاطلاق : لأن ما يبلغ من الكلام في الفصاحة النهاية لا يخرج عن أن يكون من جملة اللغة ، كما أن ما دونه لا يخرج عن أن يكون من جملتها ، وانما تتبين زيادة الفصاحة لا بتغير المواضعة ، لكن بالوجوه التي ذكرناها « 2 » . إن حصر الفصاحة في الوجوه الثلاثة السابقة ليس إلا محاولة من جانب المعتزلة لحصر الاعجاز في قوانين يمكن اكتشافها والعلم بها . وهذه القوانين قوانين لغوية يشارك فيها النص غيره من النصوص من جهة ولكنه يتفوق عليها في استثمار نفس القوانين من جهة أخرى . ومن شأن هذا الحصر أن يؤدي إلى نتيجتين انتهى اليهما كل من القاضي عبد الجبار وعبد القاهر فعلا . أما النتيجة الأولى فهي استبعاد التفسيرات الجزئية للاعجاز التي تحصره مرة في البلاغة ومرة في البديع وتقع في دائرة التفرقة بين أجزاء النص التي يكون فيها الاعجاز لائحا
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل : الجزء السادس عشر ص 199 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 201 .