تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وكذلك القول في جملة من الكلام ، فيكون هذا الباب داخلا فيما ذكرناه من موقع الكلام لأن موقعه قد يظهر بتغير المعنى وقد يظهر بتغير الموضع ، وبالتقديم والتأخير « 1 » . والنتيجة الثانية التي ينتهي إليها قصر مفهوم الفصاحة على قوانين اللغة استبعاد مفهوم « الايقاع » من تحديد خصائص الكلام . والسبب وراء ذلك أن مفهوم « الوزن » قد ارتبط ارتباطا شديدا بالشعر في مفاهيم الثقافة . ولما كانت المغايرة بين « القرآن » و « الشعر » مغايرة هامة وضرورية كان سعي القدماء لاستبعاد هذا البعد من مفهوم الفصاحة ومن مفهوم الاعجاز كذلك . فأما حسن النغم وعذوبة القول فممّا يزيد الكلام حسنا على السمع ، لا أنه يوجد فضلا في الفصاحة ، لأن الذي تتبين به المزية في ذلك يحصل فيه وفي حكايته على سواء ، ويحصل في المكتوب منه على حسب حصوله في المسموع « 2 » . ولم يتنبه القدماء إلى أن « حسن النغم » ليس إلا خصيصة لغوية ترتبط بالقدرة على استخدام البعد الصوتي للغة استخداما خاصا في تناغم مع قوانين اللغة التي حصروا الفصاحة فيها . ولم يتنبهوا كذلك إلى أن « الايقاع » سمة من سمات النصوص الممتازة في الثقافة لا تختلف كثيرا في النثر عنها في الشعر . إن لغة القرآن من هذه الزاوية لغة لها ايقاعها الذي يميزها داخل اطار النظام اللغوي العربي ، ولا شك أنها اكتسبت هذا الايقاع من الطبيعة الشفاهية للنص سواء في مرحلة تشكله أم في ما تلا ذلك من مراحل في تاريخ الثقافة حتى الآن ، فالنص حتى الآن ما زال يتلى بتنغيم خاص وطبقا لقوانين أدائية معينة معروفة في علم « التجويد والقراءات » . لقد كان حرص القدماء على التمييز بين القرآن والشعر أحد الأسباب دون شك وراء استبعاد « الايقاع » من خصائص الفصاحة ومن ثم من خصائص الاعجاز . لكن السبب الأهم فيما نظن هو محاولة المعتزلة ايجاد « معيار » للفصاحة يختص بالكلام كله ويركز على قوانين يمكن للعقل الانساني استيعابها وفهمها وتطبيقها على النصوص ، وقد كان ذلك كله أمام عبد القاهر الأشعري فأفاد منه لا في تفسير الاعجاز فقط بل في تفسير خصائص النصوص الممتازة بشكل عام .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل : الجزء السادس عشر ، ص 200 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل ، الجزء السادس عشر ص 200 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 157 | نصر حامد أبو زيد