بينا وبين الأجزاء الأخرى التي لا يتضح فيها الاعجاز . وقد وقع الباقلاني في هذه الدائرة ، فنراه مرة يقول :
إن الشاعر المفلّق إذا جاء إلى الزهد قصّر ، والأديب إذا تكلم في بيان الأحكام وذكر الحلال والحرام لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره . ونظم القرآن لا يتفاوت في شيء ولا يتباين في أمر ولا يختلف في حال ، بل له المثل الأعلى والفضل الأسنى « 1 » .
ولكن هذا التأكيد لا يلبث أن يتبدد عند محاولة اكتشاف اعجاز آيات الأحكام استنادا إلى مفاهيم البديع والبلاغة ، ولذلك يتراجع الباقلاني عن تأكيده السابق فيرى : - إن قوله :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ »
إلى آخر الآية ليس من القبيل الذي يمكن اظهار البراعة فيه وإبانة الفصاحة ، وذاك يجري عندنا مجرى ما يحتاج إلى ذكره من الأسماء والألقاب ، فلا يمكن اظهار البلاغة فيه ، فطلبها في نحو هذا ضرب من الجهالة ، بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى « 2 » .
لذلك يحرص القاضي عبد الجبار على جعل الفصاحة في قوانين لغوية تعم الكلام كله بصرف النظر عن الموضوع أو الغرض ( المعنى ) وبصرف النظر عن الشكل أو النوع أو الجنس . لذلك نراه يؤكد أن هذه القوانين التي تفسر الفصاحة ومن ثم الاعجاز لا تتعلق بكون الكلام حقيقة أو بكونه مجازا .
ولا فصل فيما ذكرناه بين الحقيقة والمجاز ، بل ربما كان المجاز أدخل في الفصاحة لأنه كالاستدلال في اللغة ، والغالب أنه يزيد على المواضعة السابقة ، ولأنه مواضعة تختص فلا تفارق المواضعة العامة ، فلا يمتنع أن يكون كالحقيقة وأزيد « 3 » .
ويرتبط بهذه النتيجة حل مشكلة تحديد مقدار « المعجز » من القرآن ، فالاعجاز قد يقع في الجملة الواحدة وقوعه في الكثرة من الجمل ، قد يقع في الآية القصيرة وقوعه في الآية الطويلة ، طالما أن تلك القوانين اللغوية التي تفسر الفصاحة والاعجاز قوانين لها فعاليتها في الجملة الواحدة ، وفي النص الطويل على السواء . وهذا ما أشار اليه عبد الجبار في نص سابق حين قال : -
هامش
( 1 ) اعجاز القرآن : الجزء الثاني ، ص 75 .
( 2 ) اعجاز القرآن : الجزء الثاني ، ص 87 . وهي فكرة سيلح عليها الغزالي بعد ذلك وسنناقشها في الباب الثالث .
( 3 ) المغني في أبواب التوحيد والعدل : الجزء السادس عشر ، ص 200 .