تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
البلاغات فذلك هو الذي يدل على اعجازه » « 1 » . ومن شأن ذلك كله أن يجعل معيار الاعجاز « العجز » بمعنى عدم امكانية الوصول إلى فهم سر « الاعجاز » . وهنا لا يفرق الباقلاني بين « العجز » عن الاتيان بمثله - بمثل القرآن - وبين « العجز » عن فهم سر « الاعجاز » . ورغم أنه يفرق على مستوى النصوص الأدبية بين الوعي النظري النقدي وبين القدرة على الابداع الأدبي ، فإنه في تحديده لمفهوم « النظم والتأليف » الذي به صار القرآن معجزا يكاد يدخلنا في منطقة « اللاأدرية » وعدم التعليل . انه يحدد مرة أن : الذي تحداهم به أن يأتوا بمثل الحروف التي هي نظم القرآن منظومة كنظمها متتابعة كتتابعها مطردة كاطرادها ، ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بمثل الكلام القديم الذي لا مثل له . وان كان كذلك فالتحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة التي هي عبارة عن كلام اللّه تعالى في نظمها وتأليفها وهي حكاية لكلام ودلالات عليه وأمارات له على أن يكونوا مستأنفين لذلك لا حاكين بما أتى به النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » . ولكن المعضلة الحقيقة في مفاهيم الباقلاني والأشاعرة على وجه العموم تكمن في هذه الثنائية بين الكلام الإلهي القديم ( المعنى النفسي ) وبين العبارة عنه ( القرآن ) . وإذا كان الباقلاني يحصر وجوه الاعجاز في القرآن ، وهو العبارة الدالة على الكلام القديم ، في مجرد نظمه وتأليفه ، فإنه كل ما يمكن أن يماثل القرآن - من حيث النظم والتأليف - يظل تقليدا للشكل الخارجي . ولا شك أن هذا التقليد للشكل الخارجي هو ما سعى اليه مسيلمة الكذاب من أقواله التي يوردها الباقلاني ثم يورد أقوال سجاح بنت الحارث ويسفههما معا على أساس أن كلامهما لا يماثل كلام الألوهية « 3 » . أن تركيز الباقلاني على مفهوم الكلام الإلهي - القرآن - بوصفه تعبيرا عن الصفة القديمة قد أدى به إلى القول باستحالة وجود أي قدر من التشابه بين كلام اللّه وكلام البشر ، فنظم القرآن « جنس مميز وأسلوب متخصص وقبيل من النظير متخلص » « 4 » والعقول « تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه » « 4 » « وهو أدق من السحر وأهول من البحر وأعجب من الشعر » « 4 » « ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم أو يسمو اليه الفكر أو يطمع فيه طامع أو يطلبه طالب » « 4 » « وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه وأن يكون الليل كالنهار والباطل كالحق وكلام رب العالمين ككلام البشر » « 4 » « وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : فضل كلام اللّه على سائر الكلام كفضل اللّه على خلقه » « 4 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : الجزء الثاني ، ص 169 . ( 2 ) اعجاز القرآن : الجزء الثاني ، ص 158 - 159 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 9 . ( 4 ) اعجاز القرآن : الجزء الثاني ، ص 11 ، 48 ، 49 ، 136 ، 140 ، 141 على الترتيب .