تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣

5 - الاعجاز في لغة النص ( النظم )

لقد كان على مفهوم « النظم والتأليف » تفسيرا للاعجاز أن ينتظر عبد القاهر الجرجاني ليصوغه صياغته النهائية في التراث . وإذا كنا قد ناقشنا هذا المفهوم عند عبد القاهر في مكان آخر « 1 » فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى أن صياغة هذا المفهوم تمت على يد المعتزلة الذين لم يفرقوا هذه التفرقة الحادة بين الكلام الإلهي والكلام الانساني . لقد حرص المعتزلة على فتح معبر وجسر بين الكلام الإلهي والعقل الانساني ، ولذلك أصروا على أن اللغة نتاج بشري ، وعلى مواضعاتها وطرائقها نزل الكلام الإلهي . وكان من الطبيعي بعد ذلك كله أن يكون تحديدهم للاعجاز قائما على أساس اكتشاف قوانين عامة يمكن للعقل البشري تقبلها والتسليم بها . وقد ذهب أبو هاشم الجبائي إلى أن القرآن ليس معجزا لاختلافه من حيث الشكل أو النوع أو الجنس عن النصوص الأخرى في الثقافة ، لأن تغاير الشكل لا يعني تفوقا أو امتيازا . إن الفصاحة - التي هي سر الاعجاز عند أبي هاشم - ظاهرة يمكن تلمسها في التركيب اللغوي سواء كان هذا التركيب في الشعر أم في الخطابة أم في الرسائل . ولا بد من حسن المعنى وجزالة اللفظ معا لاعتبار النص فصيحا : - قال شيخنا « أبو هاشم » : انما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه ، وحسن معناه ، ولا بد من اعتبار الأمرين ، لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحا ، فاذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين . وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر ، والنظم مختلف ، إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة . وقد يكون النظم واحدا وتقع المزية في الفصاحة فالمعتبر ما ذكرناه ، لأنه الذي يتبين في كل نظم وكل طريقة « 2 » . لكن القاضي عبد الجبار لا يكتفي بالوقوف عند حدود هذا التعريف العام للفصاحة والذي يحصرها في حسن المعنى وجزالة اللفظ بصرف النظر عن « الشكل » أو « النوع » ، بل يتقدم خطوات هامة في سبيل تحديد الخصائص الفارقة بين النصوص . وإذا كان اشتراط حسن المعنى في مفهوم « الفصاحة » يمكن أن يؤدي إلى القول بأن فصاحة القرآن ترتد - في جانب منها - إلى « المعاني » التي لا يقدر البشر على الاتيان بمثلها فان القاضي عبد الجبار يستبعد هذا الجانب من مفهوم الفصاحة : -
هامش
( 1 ) انظر : مفهوم النظم عند عبد القاهر ، قراءة في ضوء الأسلوبية . ( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل ، الجزء السادس عشر ، ص 197 .