تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق . . . فهذا إذا تأمله المتأمل يتبين بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة وأنه معجز . وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميّز حاصل في جميعه . « 1 » ومما يرتبط بسمة « التغاير » العامة بين النص القرآني وغيره من النصوص خصيصة « الحجم » أو « الطول » . فالقرآن على خلاف غيره من النصوص يتميز بطول غير مألوف في النصوص العربية . ولا يصح لنا هنا أن نعترض على الباقلاني قائلين ان صفة الطول ليست إلا محصلة للتنجيم الذي قارب بضعا وعشرين عاما تكوّن النص خلالها ، فالباقلاني الأشعري يؤمن بالوجود الأزلي السابق للنص بوصفه صفة قديمة ملازمة للذات الإلهية ، غير مستقلة عنها . ان التنجيم هنا يرتبط في تصوره بمحاكاة النص للكلام الإلهي القديم ، والإعجاز واقع في هذه « المحاكاة » التي تتميز بالتغاير عن النصوص الأخرى من حيث الشكل العام ومن حيث الطول . ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر . وانما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال ، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف . وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه اللّه تعالى به « 2 » . وإذا كان القرآن يمكن أن يشابه النصوص الأخرى من جوانب أخرى من حيث تضمنه لموضوعات مختلفة وأغراض متباينة كالوعظ والقصص والانذار والوعيد ، وهو في هذا يمكن أن يشبه القصيدة من حيث بدؤها بالنسيب أو الوصف وتضمنها للاعتذار أو الهجاء أو المديح أو الفخر ، فان الخصيصة الثانية التي تميز القرآن عن غيره من النصوص هي « النظم العجيب » أو « التأليف البديع » الذي لا يتفاوت ولا يختلف : وفي ذلك معنى ثابت وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف اليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام واعذار وانذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ، ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلّق
هامش
( 1 ) اعجاز القرآن : الجزء الأول ، ص 51 - 52 . ( 2 ) اعجاز القرآن : الجزء الأول ، ص 52 - 53 .