تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
حرص المعتزلة على تأكيده حرصا شديدا يمكن أن نقول أن تصور النظام والمعتزلة للنص بأنه كلام ، وبأنه فعل من أفعال اللّه التي ترتبط بوجود العالم ، وما ترتب على ذلك من قولهم بحدوثه ، كان من شأنه أن يؤدي إلى الفصل والتمييز بين الكلام الإلهي والكلام البشري ، لكن تصورهم للكلام ذاته جعل التمييز بين الكلامين من جهة المتكلمين لا من جهة الكلام ذاته ، ولذلك كان من الضروري أن تنتقل قضية الاعجاز من مجال العدل - مجال الأفعال - إلى مجال التوحيد ، ومفارقة الصفات الإلهية لصفات البشر من كل جانب . وإذا كانت قدرة اللّه تعالى لا تغالبها قدرة البشر ولا تستطيع الوقوف ازاءها ، فان « العجز » الذي يشير اليه النص في تحديه للعرب أن يأتوا بمثله كان عجزا ناتجا عن تدخل القدرة الإلهية لمنع العرب من قبول التحدي ومن محاولته . وليس في هذا الرأي انكار للاعجاز ، بل هو تفسير له خارج اطار علاقة النص بغيره من النصوص الأخرى . انه « العجز » البشري الذي سبّبته قدرة اللّه وليس « الاعجاز » أو التفوق القائم في بنية النص من حيث مقارنته بالنصوص الأخرى . إن الدلالة على صدق النبي في نظر المعتزلة هي وقوع المعجز على يديه ، يستوي في ذلك المعجز الأفعال الخارقة للعادة والطبيعة أو الأفعال العادية الطبيعية المقدورة للبشر إذا قارنها عجز البشر في الحال عن اتيان ما اعتادوه من الأفعال ولم يكن مستعصيا عليهم من قبل : وأعلم أن من حق المعجز أن يكون واقعا من اللّه تعالى حقيقة أو تقديرا ، وأن يكون مما تنتقض به العادة المختصة بمن أظهر المعجز فيه ، وأن يتعذّر على العباد فعل مثله في جنسه أو صفته ، وأن يكون مختصا بمن يدعي النبوة ، على طريقة التصديق له . فما اختص بهذه الصفات وصفناه بأنه معجز من جهة الاصطلاح « 1 » . وإذا كان المعجز هو القدرة الإلهية الخارقة التي تدخلت لتمنع العرب من الاتيان بمثله فالنص في ذاته - أي من حيث هو نص لغوي - كان مقدورا للبشر الاتيان بمثله لو خلّي بينهم وبين قدراتهم العادية . لكن النظام لا يتوقف في تفسير الاعجاز عند مفهوم « الصرفة » الذي ركز عليه خصوم المعتزلة دائما ، بل هو يضيف إلى ذلك ما ورد في النص من الأخبار عن الغيوب وعن الأمور المستقبلة . اعلم - علماء اللّه الخير - ان القرآن حجة للنبي عليه السلام على نبوته عند إبراهيم من غير وجه ، فأحدها بما فيه من الاخبار عن الغيوب مثل قوله :
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ )
الآية ، ومثل قوله
( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ )
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل ، الجزء الخامس عشر : ص 99 .