الآية ، ومثل قوله
( ألم . غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ )
وقوله
( أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
فما تمناه أحد منهم ، ومثل قوله
( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ )
الآية ، ومثل إخباره ، بما في نفوس القوم وبما سيقولونه . وهذا وما أشبه في القرآن كثير ، فالقرآن عند إبراهيم حجة على نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من هذه الوجوه وما أشبهها وإياها عني صلّى اللّه عليه وسلم بقوله :
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ )
« 1 » .
وإذا كان القول بالصرفة يرد الاعجاز إلى صفة القدرة الإلهية ، فان تفسير الاعجاز باخبار القرآن عن الغيوب والأمور المستقبلة تفسير يرده إلى « مضمون » النص . ولا شك أن « مضمون » النص من منظور المعتزلة وغيرهم من الفرق مضمون يعبر عن صفة « العلم الإلهي » . من هذه الزاوية يكون تفسير الاعجاز استنادا إلى مضمون النص تفسيرا يفصل بين النص والنصوص الأخرى لا من حيث البناء اللغوي والتركيب ، بل من حيث طبيعة « الرسالة » المتضمنة في النص . وتظل العلاقة بين النص والنصوص الأخرى في مثل هذا التفسير علاقة قائمة على مجرد الاشتراك في الشفرة اللغوية . ويكون الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول قضايا قدم اللغة وحدوثها خلافا لا حول مضمون النص بل حول شفرة النص . لكن هذا الخلاف لم يكن مجرد خلاف شكلي على أية حال ، فالنظر إلى اللغة من منظور القدم والتوقيف الإلهي يمكن أن يؤدي إلى عزل النص عزلا كاملا عن سياق الثقافة التي ينتمي إليها ، وهو الموقف الأشعري .
لقد حاول المعتزلة جاهدين ربط النص بالفهم الانساني وتقريب الوحي من قدرة الانسان على الشرح والتحليل . ويبدو أن فكرة « الاعجاز » بما تتضمنه من معنى المعجزة الذي أشرنا اليه فيما سبق كان يمكن لو سلموا بوجودها في بناء النص اللغوي أن تؤدي إلى مفارقة الوحي - من حيث هو نص لغوي - لقدرة الانسان ، وتؤدي من ثم إلى تحويل الوحي إلى نص « مغلق » مستعص على الفهم والتحليل . لقد كان التسليم بقدرة الانسان على الفعل وعلى فهم الوحي معا هو الدافع وراء محاولة تفسير « الاعجاز » من خلال مفهوم « التوحيد » ومن خلال صفتي « القدرة » و « العلم » بصفة خاصة . إن « عجز » البشر عن الاتيان بمثل الوحي نابع من تدخل الهي سلبهم القدرة ، ونابع من « علم » بالماضي والمستقبل لا يتاح للإنسان .
لكن هذا الموقف الاعتزالي الذي عبر عنه النظام أصابه قدر من التطور بعد ذلك على يد القاضي عبد الجبار . وقد كان هذا التطور أمرا طبيعيا بسبب الجدل المستمر بين الفرق
هامش
( 1 ) الخياط : الانتصار ، ص 28 - 29 .