اطلاق العرب صفة الشعر على القرآن أن :
يكون محمولا على ما كان يطلقه الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر لدقة نظرهم في وجوه الكلام . . . كان ما أطلقوه صحيحا ، وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره ، وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه في رأيهم وعندهم أقرب فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب « 1 » .
إن محاولة القدماء سلب صفة السجع عن القرآن كانت تستهدف التفرقة بين الكلام الإلهي والكلام الانساني . وهي تفرقة سعى الأشاعرة إلى تأصيلها والتأكيد عليها من منظور تصورهم للكلام بوصفه صفة من صفات الذات الإلهية لا بوصفه فعلا من أفعاله كما تصور المعتزلة . ومن هذا التصور كان الحرص على الفصل بين القرآن وغيره من النصوص ، وإذا كان هذا الفصل التام قد أدى في النهاية إلى تحويل النص إلى شيء مقدس في ذاته كما سنناقش في الباب الثالث من هذه الدراسة فان الذي يهمنا هنا أن نؤكد عليه أن الحرص على « المخالفة » بين الاصطلاحات الدالة على النص وبين الاصطلاحات الدالة على غيره من النصوص داخل الثقافة يرتد إلى الجذور الفكرية والثقافية نفسها .
ولا يجوز تسميتها ( الفواصل ) قوافي اجماعا لأن اللّه تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه وخاصة في الاصطلاح . وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الفاصلة في الشعر لأنها صفة لكتاب اللّه تعالى ، فلا تتعداه . . . ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في وصفه بذلك ، ولأن القرآن من صفاته تعالى فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الاذن بها « 2 » .
إن رفض الاسلام للكهانة ولكل ما ارتبط بها م ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ طقوس وممارسات بما في ذلك السجع لا ينفي أن الكهانة ذاتها كانت أداة ثقافية هامة للتنبؤ بالوحي ، فان :
الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته لأن لهم بعض الوجدان من أمر النبوءة كما لكل انسان من أمر النوم ومعقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم ، ولا يصدهم عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبوءة لهم فيقعون في العناد « 3 » .
وما دامت الكهانة كانت أداة لاثبات صدق الوحي فلا شك أن الفاصلة التي يحرص
هامش
( 1 ) اعجاز القرآن : الجزء الأول : ص : 77 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الثاني : ص : 97 .
( 3 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص : 102 .