عليها النص حرصا بالغا في المرحلة المكية خاصة تمثل من هذه الزاوية علاقة « تماثل » بين النص وبين نمط آخر من النصوص في الثقافة . وإذا كانت النصوص المدنية يغلب عليها الخروج على نسق الحرص على الفاصلة ، فان ذلك إلى جانب دلالته التي سبقت الإشارة إليها في المكي والمدني يدل هنا على « مخالفة » النص . إن موقف الاسلام من الكهانة مماثل لموقف النص من السجع أو الفاصلة ، موقف القبول أولا ثم الرفض بعد ذلك ، وتلك هي جدلية القرآن مع الواقع وجدلية النص مع النصوص الأخرى في الثقافة « 1 » .
3 - الاعجاز خارج النص
إذا كان تفسير ظاهرة « الاعجاز » قد انتهى كما سبقت الإشارة إلى القول باتحاد الدال بالمدلول في حالة القرآن خلافا للوحي في الأديان السابقة على الاسلام فان ثمة تفسيرات أخرى رأت انفصال الدلالة عن المدلول في اعجاز الوحي في الاسلام . وقد ذهب أصحاب هذا التفسير إلى أن المعجزة الدالة على صدق الوحي ترتبط بالقرآن ، ولكنها لا تنبع من طبيعته الخاصة بوصفه نصا لغويا ، بل تنبع من « عجز » العرب المعاصرين للنص عن الاتيان بمثله كما تحداهم النص ذاته . وكان هذا العجز أمرا طارئا بحكم تدخل الإرادة الإلهية ومنع الشعراء والخطباء من قبول التحدي والاتيان بمثله . وقد اشتهر بهذا الرأي إبراهيم بن سيار المعروف بالنظّام من المعتزلة . وقد ذهب كما يروي عنه أصحاب كتب المقالات إلى أن إعجاز القرآن يقع من جهة :
الاخبار عن الأمور الماضية والآتية ، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما « 2 » .
وإذا كان خصوم المعتزلة والنظام خاصة يتجاهلون عادة ربطه للاعجاز باخبار النص عن الأمور الماضية وتنبؤه بأمور تحدث في المستقبل ، فإنهم يفعلون ذلك من أجل الوثب إلى نتيجة فحواها أن النظام ومدرسته ينكرون اعجاز القرآن . والحقيقة أن هذا الرأي لا ينكر « الاعجاز » من قريب أو من بعيد . وإذا توقفنا قليلا عند مفهوم « الصرفة » ، وهو المطلح الذي شاع بعد ذلك وصفا لتفسير النظام ، قلنا إن النظام يجعل المعجزة أمرا واقعا خارج النص ويرتبط بصفة من صفات قائل النص وهو اللّه . وانطلاقا من مبدأ التوحيد الذي
هامش
( 1 ) انظر دراستنا : السيرة النبوية سيرة شعبية ، ص 13 - 14 .
( 2 ) الشهرستاني : الملل والنحل ، الجزء الأول ، ص 64 ، ويتفق ابن حزم مع النظام في هذا التفسير للاعجاز ، انظر :
الفصل في الملل والنحل : الجزء الثالث .