تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك اعجاز . ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعرا معجزا . وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر لأن الكهانة تنافي النبوات وليس كذلك الشعر . وقد روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال للذين جاءوا وكلّموه في شأن الجنين : كيف ندي من لا أكل ولا شرب ، ولا صاح فاستهل ، أليس دمه قد يطلّ ؟ فقال : أسجاعة كسجاعة الجاهلية ، وفي بعضها أسجعا كسجع الكهان فرأى ذلك مذموما فلم يصح أن يكون في دلالته « 1 » . إن محاولة الباقلاني لاثبات اعجاز القرآن تعتمد على مفهوم انفصاله انفصالا تاما عن النصوص الأخرى داخل الثقافة ، سواء في ذلك الشعر أو النثر . وفي سبيل ذلك يحاول قدر جهده أن يطعن في بلاغة الشعر الجاهلي بالتعرض بالهدم لأهم قصائده وبيان تهافتها وضعف بنائها وركاكة أسلوبها . وحين يلجأ إلى اثبات خلو القرآن من السجع يضع تعريفا للسجع من شأنه أن يقلل من قيمته ، فيرى أن : السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللّفظ الذي يؤدي إلى السجع ، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى ، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع كانت فائدة السجع كإفادة غيره ، ومتى ارتبط المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتجنيس الكلام دون تصحيح المعنى « 2 » . وهكذا يفترض الباقلاني أن السجع مجرد زينة خارجية مفروضة . ومن خلال ثنائية اللفظ والمعنى التي سادت تراثنا النقدي يحاول أن يثبت أن المعنى في السجع يتبع اللفظ ، على حين أن فواصل القرآن يتبع فيها اللفظ المعنى ، وهي من ثم نوع من التجنيس وليست سجعا . وإذا كان كثير من الشواهد القرآنية يبدو - إذا سلمنا بثنائية اللفظ والمعنى - أن المعنى فيها يتبع اللفظ تحقيقا لتلاؤم الفواصل ، فان مفهوم الباقلاني للفصل بين الفاصلة والسجع يتبدد تماما « 3 » ويبدو أن الباقلاني يفرّ من مجرد اطلاق لفظ « السجع » على فواصل الآيات بدليل أنه يعود ليسلم بوجود الظاهرة وإن كان يطلق عليها اسم « التجنيس » . وليس هذا المسلك بعيدا بأية حال عن مسلكه إزاء نفي الشعر عن القرآن ، ذلك أنه إذا كان معنى
هامش
( 1 ) اعجاز القرآن : الجزء الأول ، ص 87 - 88 . ( 2 ) اعجاز القرآن : الجزء الأول ، ص 88 . ( 3 ) انظر هذه الشواهد في الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 60 - 67 ، وفي السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 99 - 101 .