ودوال أخرى ترفض بعض النصوص وتدينها ؟ هكذا كانت علاقة النص بالشعر قائمة على الاختيار وعلى القبول والرفض .
إن علاقة النص بالواقع وجدليته معه قبولا ورفضا بدأت من المفاهيم والتصورات ومن تحديد علاقته بالنصوص الأخرى وذلك في مرحلة مبكرة جدا هي مرحلة تشكّل النص في الثقافة . ولقد كان العرب الجاهليون فيما يبدو أقرب فهما لطبيعة النص ولوظيفته وغايته من كثير من رجال الدين المعاصرين الذين يجزّئون النص ، فقد كانت الحرب التي شنّها العرب ضد النص في حقيقتها حربا ضد الواقع الجديد الذي خلقه النص في بنائه اللغوي أولا ، ثم حققه بالانسان في الواقع ثانيا . وحين وصف العرب محمدا بالشاعرية والسحر والكهانة فإنما كانوا يحاولون رد النص إلى اطار النصوص المألوفة من جهة ، وكانوا يحاولون « احتواء » الدعوة والرسالة في اطار الوظائف الاجتماعية للكهانة والسحر والشعر في الواقع من جهة أخرى .
وهذا يفسر لنا ان الاعتراض على الوحي لم يكن اعتراضا على عملية الاتصال ذاتها بين انسان وملك بل كان اعتراضا إما على مضمون الوحي أو على شخص الموحى اليه .
ولقد أدرك المسلمون الأوائل أن النص غير منعزل عن الواقع ، ومن ثم لم يجدوا حرجا في فهم النص في ضوء النصوص الأخرى خاصة الشعر . وكان المبدأ منذ المحاولات الأولى للتفسير : « إذا تعاجم عليكم شيء من القرآن فعليكم بالشعر فان الشعر ديوان العرب » وهو المبدأ الذي طرحه ابن عباس .
قال أبو بكر بن الأنباري قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر ، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك ، وقالوا : إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن . قالوا . وكيف يجوز أن يحتجّ بالشعر على القرآن وهو مذموم في القرآن والحديث قال : وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر لأن اللّه تعالى قال :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
، وقال
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
. وقال ابن عباس : الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله اللّه بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه . ثم أخرج من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فان الشعر ديوان العرب وقال أبو عبيد في فضائله . . . عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر ، قال أبو عبيد : يعني كان يستشهد به على التفسير « 1 » .
وهكذا تحول الشعر إلى أن يكون اطارا مرجعيا لتفسير القرآن . وليس معنى ذلك إلا
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 119 - 120 .