تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
إلى القول بتحريم الشعر أو كراهيته على الأقل فان هذا الاستنتاج ينظر إلى جانب واحد من علاقة القرآن بالشعر ويغفل الجانب الآخر . لقد أراد النص أن يدفع عن نفسه صفة الشعر لأسباب ترتبط بتصور العرب لماهية الشعر من حيث المصدر والوظيفة . وبالمثل أراد أن يدفع عن محمد صفة الشاعرية لأن وظيفة الشاعر في ذلك المجتمع وظيفة مغايرة للوظيفة التي نسبها النص لمحمد . الشاعر معبر عن القبيلة ومحمد مبلغ لرسالة ، والشعر نص يحقق مصالح القبيلة في مهاجاة أعدائها ونصرة حلفائها أو في مدح رجالها وزعمائها ، والقرآن نص يستهدف إعادة بناء الواقع وتغييره إلى الأفضل . من هنا كان التشديد على أن محمدا ليس شاعرا أو كاهنا أو ساحرا ، وعلى أن القرآن ليس بشعر . إن النص في نفيه لصفة الشعر عن نفسه ولصفة الشاعرية عن محمد لا يدين الشعر من حيث هو كما فهم الأمر بعد ذلك ، بل يدين الشعر الذي أراد معاصر ومحمد أن يجذبوا النص إلى آفاقه محاولين بالتالي أن يجذبوا ظاهرة الوحي كلها للنظام الثقافي المستقر والسائد ، والمعبر عن مصالح الأقلية على حساب الأغلبية . ولذلك انحاز النص إلى الشعر الذي يساعده على تحقيق وظيفته ، وانصبّ هجومه على الشعر الذي يشوّش عليه القيام بهذه الوظيفة . ويمكن القول بعبارة أخرى ان موقف الاسلام من الشعر موقف « أيديولوجي » يجب أن يفهم بعيدا عن مفاهيم الحلال والحرام . لقد فرق القرآن بين الشعر الذي يتّحد من حيث مصدره بالوحي الديني وبين الشعر الذي يأتي من مصادر أخرى . لذلك كانت أقوال « حسان بن ثابت » و « عبد اللّه بن رواحة » مؤيدة « بروح القدس » جبريل الذي يوحي بالقرآن . وكان مصدر الهام الشعر النقيض « الشعر العدو » الشيطان ، ولذلك يكون مثل هذا الشعر في قلب المؤمن أسوأ من « القيح » : عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا » « 1 » . ليس ثمة تعارض اذن في موقف الاسلام من الشعر ، بل هو الموقف الإيديولوجي الذي يقبل ما يتفق معه ويرفض ما يتناقض مع مبادئه . لقد كانت القضية أخطر من مجرد التحليل والتحريم ، كانت محاولة النص فرض هيمنته وسلطانه على الواقع والثقافة . ومن الطبيعي هنا أن يرفض النص النصوص التي تعارضه ويهاجمها . أليس في كل نص في علاقته بالنصوص الأخرى السابقة عليه والمعاصرة له دوال تؤكد بعض النصوص وتقبلها وتناصرها ،
هامش
( 1 ) مختصر صحيح مسلم : الجزء الثاني ، ص 157 ، وانظر في حضّ النبي لحسان بن ثابت على قول الشعر ومهاجاة الأعداء ، ص 218 - 219 .