الوحي ، دليل خارجي يتمثل في وقوع فعل خارق للعادة على يد النبي ، فان الدعوة والرسالة في حالة الاسلام لم تكونا بحاجة لمثل هذا الدليل الخارجي . ولا شك أن مفهوم « الصدق الذاتي الداخلي » للوحي مفهوم أضفته الثقافة على النص بعد أن تقبلته وحولته إلى أن يكون « النص » بألف ولام العهد . ومن المؤكد أن اتحاد الدليل والمدلول في مفهوم الوحي مفهوما يحتاج بدوره إلى تفسير ، فلما ذا كان الوحي الاسلامي بهذه المثابة خلافا لحالات الوحي السابقة التي انفصل فيها الدليل عن المدلول ، واحتاج الوحي فيها من ثم إلى دليل خارجي يؤكد صدقه ؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال نعود مرة أخرى لعلاقة النص بالثقافة لا في حالة الاسلام فقط بل في حالات الوحي السابقة أيضا . إن المعجزة - التي هي دليل الوحي - لا يجب أن تفارق حدود الإطار الذي تتميز به الثقافة التي ينزل فيها الوحي ، لذلك كانت معجزة عيسى ابراء المرضى واحياء الموتى ، ما دامت ثقافته كانت تتميز بالتفوق في علم الطب . ولأن قوم موسى كانوا متفوقين في السحر كانت معجزته من جنس ما تفوقوا فيه . والعرب الذين نزل فيهم القرآن كان « الشعر » مجال تفوقهم لذلك كانت المعجزة نصا لغويا هو ذاته نص الوحي ، وهكذا اتحد الدليل بالمدلول :
وقامت الحجة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة وكما قامت الحجة في معجزة عيسى بالأطباء وفي معجزة موسى بالسحرة ، فان اللّه تعالى انما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي الذي أراد اظهاره ، فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته ، وكذا الطب في زمان عيسى ، والفصاحة في مدة محمد صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » .
لكن محاولة علماء القرآن فصل النص عن غيره من النصوص داخل الثقافة كانت نابعة من معطيات النص ذاته بعد أن أعيد تفسيرها تفسيرا جديدا في سياق تطور حركة الواقع ذاته . والحقيقة أن العرب المعاصرين لتشكيل النص لم يكونوا قادرين على استيعاب « التغاير » و « المخالفة » بين النص والنصوص التي لديهم ، ولذلك كانوا حريصين أشد الحرص على جذب النص « الجديد » إلى أفق النصوص المعتادة ، فقالوا عن النبي شاعرا وقالوا عنه كاهنا .
ولا شك أن هذه الأوصاف قامت - عندهم - على أساس من ادراك « المماثلة » بين نص القرآن ونصوص الشعراء والكهان . وإذا كان مفهوم « الوحي » ذاته قد ارتبط - كما سلفت الإشارة - بمفهوم الاتصال في ظاهرتي الشعر والكهانة فقد كان من الطبيعي أن تترابط النصوص الناتجة
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 58 .