عن الاتصال / الوحي في ذهن الجماعة .
1 - القرآن والشعر
إن نفي القرآن عن نفسه صفة « الشعر » ونفيه عن النبي صفه « الشاعر » لا بدّ أن يفهم في ضوء الصراع الذي دار بين « الإيديولوجية » الجديدة ومثيلتها القديمة . لقد كان الشعر « ديوان العرب » وهو علم قوم لم يكن لديهم علم غيره على حد تعبير القدماء . ومعنى ذلك أن الشعر كان « النص » بألف ولام العهد في ثقافة ما قبل الاسلام . وإذا كان النص القرآني قد تشابه مع الشعر من حيث ماهيته ، أي من حيث كونه اتصالا ، فإنه يخالفه من جوانب شتى .
ويتضح هذا « الخلاف » في تحديد أطراف عملية الاتصال وعلاقاتها . لقد صارت العلاقة في الوحي الديني علاقة رأسية كما سلفت الإشارة وصار النص « تنزيلا » ، على حين أن العلاقة في الوحي الشعري كانت علاقة أفقية إذ تصور العرب أن الجن قبائل تعيش في مناطق خاصة من البادية . ويختلف الوحي الديني عن الوحي الشعري من جهة أخرى في تعدد الوسائط بين المتكلم بالوحي ( اللّه ) وبين المتلقين له ( الناس ) في حين أن الاتصال في حالة الشعر يتم بلا وساطة بين الشاعر وقرينه من الجن .
ويتجاوز الخلاف بين القرآن والشعر حدود أطراف عملية الاتصال وعلاقاتها إلى بناء النص ذاته . فالقرآن نص لا يمكن أن يندرج تحت نوع « الشعر » ، ولا يمكن أيضا أن يندرج تحت نوع « النثر » المألوف عند العرب قبل الاسلام ، سواء كان خطابة أم سجع كهان أم أمثالا . إن القرآن كما عبّر طه حسين ليس شعرا وليس نثرا ولكنه قرآن . ولذلك حرص المسلمون على التمييز بين المصطلحات الدالة على النص القرآني وبين المصطلحات الدالة على الشعر . فالقافية في الشعر صارت الفاصلة في القرآن ، والآية بدل من البيت ، والسورة بدل من القصيدة وحين تم جمع القرآن كان حرص المسلمين أشد على اختيار اسم للكتاب .
ثم ائتمروا ما يسمونه فقال بعضهم سموه السفر ، قال ذلك لتسمية اليهود فكرهوه ، فقال رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف « 1 » .
إن علاقة القرآن بالشعر تقوم في جانب منها على « التماثل » وتقوم في جانب آخر على « المخالفة » انها علاقة جدلية بدأت من المفاهيم والتصورات الأساسية في الثقافة . وإذا كان حرص القرآن على نفي صفة الشعر عن نفسه وعلى نفي صفة الشاعرية عن محمد قد أدت
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 58 .