الفصل الأول الإعجاز
إن البحث في قضية الاعجاز ليس في حقيقته إلا بحثا عن السمات الخاصة للنص والتي تميزه عن النصوص الأخرى في الثقافة وتجعله يعلو عليها ويتفوق . ولا شك أن النص في علاقته بالنصوص الأخرى يتضمن داخله دوال تؤكد مشابهته لها ، ولكنه يتضمن أيضا دوال أخرى تؤكد مخالفته لها . وقد سبق أن أشرنا إشارة سريعة إلى مشابهة فواصل الآي لظاهرة السجع ، ولكن العلماء المسلمين كانوا حريصين أشد الحرص على نفي أي مشابهة بين النص وبين غيره من النصوص . لقد فهم النص في مجرى الثقافة بوصفه « معجزة » خارقة للعادة تساوي المعجزات الأخرى التي حدثت على أيدي الأنبياء مثل احياء الموتى ، بل اعتبر القرآن معجزة أعظم من كل المعجزات السابقة :
إن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فان الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ، ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه . والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى ، وهو الخارق المعجز ، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه .
وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إليّ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ، يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس الوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة « 1 » .
إن ما يقوله ابن خلدون هنا عن « اتحاد الدليل والمدلول » يمكن التعبير عنه بطريقة أخرى بالقول إن صدق الوحي لا يحتاج إلى دليل آخر خارجه ، بل الوحي ذاته يتضمن الدليل على صدقه . وإذا كانت الدعوات والرسالات السابقة احتاجت إلى دليل يؤكد صدق
هامش
( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 95 .