تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الهرب منه . ولو ركن العلماء إلى مبدأ أن النسخ لا يتضمن الغاء للنصوص وانما يكتفي بتعليق أحكامها ، وأنه لا يقع إلا داخل النص الواحد سواء كان قرآنا أم سنة لاستندوا إلى مبدأ هام يعصمهم من هذه المتاهات والغايات المتشابكة من المرويات . وإذا تساءلنا عن الحكمة من وراء نسخ نص ثابت التلاوة - حسب حديث عائشة - بنص آخر غير ثابت التلاوة ، لرد علينا العلماء ردا منطقيا شكليا استنادا إلى تصورهم لوجود نصوص ثابتة التلاوة منسوخة الحكم مثل آية الجلد في حالة الزنا التي نسخت - فيما يتوهمون - بالرجم ، وقد كانت ثمة آية للرجم نسخت تلاوتها وبقي حكمها . وهكذا ندور في دائرة مغلقة لا ندري أين تبدأ وأين تنتهي . وقسمه الواحدي أيضا إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات ، وإلى نسخ ما هو ثابت التلاوة بما ليس بثابت التلاوة كنسخ الجلد في حق المحصنين بالرجم ، والرجم غير متلو الآن ، وأنه كان يتلى على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فالحكم ثبت والقراءة لا تثبت ، كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم . وإذا جاز أن يكون قرآنا ولا يعمل به جاز أن يكون قرآنا يعمل به ولا يتلى ، وذلك أن اللّه عزّ وجلّ أعلم بمصالحنا ، وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا تعلق العمل بهذا الوجه « 1 » . إن الإشارة في هذا النص إلى النسخ في حد الزنا تقودنا إلى مناقشة النمط الذي يقال عنه أنه « مما نسخ تلاوته وبقي حكمه ، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول » « 2 » ان آية الزنا الموجودة الآن في القرآن لا تشير إلا إلى « الزاني والزانية » دون تحديد أو تفرقة بين المتزوج والأعزب . وهنا يأتي دور السنة في تخصيص هذا الحكم العام ، وليس ثمة نسخ هنا كما يوهم النص السابق . لكن وهم النسخ جاء من الروايات : كما روي أنه كان يقال في سورة النور : « والشيخ والشيخة » إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه ، ولهذا قال عمر : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب اللّه ، لكتبتها بيدي رواه البخاري في صحيحه معلقا . وأخرج ابن حبّان في صحيحه عن أبيّ بن كعب قال : كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور ، فكان فيها : « والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما » « 3 » . وإذا كان الزركشي يذهب إلى أن امتناع عمر بن الخطاب عن كتابة هذه الآية في القرآن راجع إلى اعتقاده أنها من أخبار الآحاد التي لا يثبت بها القرآن ، فإن السيوطي يرى أن ذلك مردود :
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 41 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 35 . ( 3 ) المصدر السابق نفسه .