اجماليا ثم نسخ ، كنسخه التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة ، فان ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء قبله ، وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان « 1 » .
ويتفق السيوطي في اعتبار هذه النماذج نسخا مع الزركشي رغم أنه على المستوى النظري ينكر هذا الاتساع . وإذا كان السيوطي يؤكد أن النسخ لا يقع .
إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر ، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد . وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الأخبار والوعد والوعيد « 2 » .
فإنه يعود ليؤكد أن فرض التوجه إلى الكعبة في الصلاة نسخ ، ويعطي نماذج أخرى لا تدخل في اطار النسخ وذلك اعتمادا على المرويات التي يجمعها على النحو التالي :
وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن عباس قال : أول ما نسخ من القرآن نسخ القبلة .
وأخرج أبو داود في ناسخه من وجه آخر عنه قال : أول آية نسخت من القرآن القبلة ثم الصيام الأول . قال مكي : وعلى هذا لم يقع في المكي ناسخ ، قال وقد ذكر أنه وقع في آيات منها قوله تعالى في سورة غافر : « والملائكة
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
فإنه ناسخ لقوله :
« وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
قلت : أحسن من هذه نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها وبايجاب الصلوات الخمس وذلك بمكة اتفاقا « 3 » .
ولقد سبق أن ناقشنا الآية الأخيرة من سورة « المزمل » وبيّنا أنها مدنية ، ولكن المهم هنا أن نلاحظ التسابق على اكتشاف ناسخ ومنسوخ في المرحلة المكية . لقد صار العالم المتأخر مجرد جامع للروايات ، وحين يحاول الاجتهاد فإنما ليضيف إلى هذه الروايات رواية من عنده .
وقد أدى تزيّد العلماء في قضايا الناسخ والمنسوخ إلى ما هو أخطر من ذلك ، وذلك عندما تصوروا أن من النصوص ما نسخ حكمه وتلاوته ، ومنها ما نسخت تلاوته دون حكمه .
4 - الانفصال بين الحكم والتلاوة
في مناقشة علماء القرآن للنمط الذي نسخ حكمه وتلاوته من الآيات يوردون بعض النصوص التي توهم بحدوث تعديل في النص بعد وفاة النبي وانتهاء الوحي :
كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس ، قالت عائشة : كان مما أنزل عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن . رواه مسلم وقد تكلموا في قولها : « وهي مما يقرأ » فان ظاهره بقاء التلاوة ، وليس
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 41 - 42 .
( 2 ) الاتقان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 21 .
( 3 ) الاتقان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 24 .