تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الإشارة - بمعرفة أسباب النزول وهي من ثم تحتاج إلى اجتهادات تتجاوز حدود التوفيق بين المرويات : قال ابن الحصار : انما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو عن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا . وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر . قال : ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بيّنة لأن النسخ يتضمن رفع حكم واثبات حكم تقرر في عهده صلّى اللّه عليه وسلم والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد . قال والناس في هذا بين طرفي نقيض فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد والصواب خلاف قولهما « 1 » . ورغم هذا فقد درج المتأخرون على جمع الروايات دون فحص أو توفيق ، والأخطر من ذلك دون الجرأة على اجتهاد حقيقي . من هنا نلمس في بعض النماذج التي يوردونها ضعفا واضحا في انتمائها إلى مجال النسخ بمعنى تغيير الحكم . وإذا كان اتفاق العلماء قد انتهى إلى أن مجال « النسخ » هو الأحكام ، ومن ثم فهو لا يقع إلا في نصوص « الأمر والنهي » فإن بعضهم قد وسع مجال « النسخ » ليدخل فيه ما ليس منه . ومن هذا النمط ادخال قوله تعالى :
« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها »
« 2 » داخل اطار المنسوخ ، حيث يذهب الزركشي إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
« 3 » . وليس في الأمر نسخ فالآية الأولى آية خبرية لا تفرض حكما يمكن أن تنسخه الآية الثانية . ومن مثل هذا الخلط تصورهم أن الأمر يمكن أن ينسخ قبل تنفيذه ، أو تصورهم أن ما أتى به النص من أحكام تخالف ما كان عليه الناس قبل الاسلام يعد من قبيل « الناسخ » ، وهو توسع يجعل النص كله تقريبا نصا ناسخا ويخرج عن حدود النسخ داخل النص . هكذا يدخل الزركشي النمطين السابقين في حدود الناسخ حيث يقول : الأول : نسخ المأمور به قبل امتثاله ، وهذا الضرب هو النسخ على الحقيقة كأمر الخليل بذبح ولده . وكقوله تعالى :
( إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً )
ثم نسخه سبحانه بقوله :
( أَ أَشْفَقْتُمْ . . . )
الآية . الثاني : ويسمى نسخا تجوزا ، وهو ما أوجبه اللّه على من قبلنا كحتم القصاص ، ولذلك قال عقب تشريع الدية :
( ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ )
وكذلك ما أمرنا به أمرا
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 24 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 142 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 38 : سورة البقرة من الآية 144 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 126 | نصر حامد أبو زيد