كذلك ، فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة ، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ، ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتوفي وبعض الناس يقرأها « 1 » .
ولكن الذي يعارض هذه الرواية أنه ليس في القرآن نص خاص بتحديد الرضعات المحرّمة . وإذا كان ثمة نسخ في هذا الحكم فلا بد أنه كان نسخا في مجال السنة لا في مجال القرآن . ويؤكد هذا الرأي ما ذهب اليه مكي حين قال :
هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ غير متلو ولا أعلم له نظيرا « 2 » .
لكن موقف علماء القرآن من هذه الرواية يتراوح بين الانكار استنادا إلى أنه من خبر الآحاد ، وبين محاولة التأويل . وإذا كان الزركشي يورد عن الواحدي مثالا آخر للمنسوخ حكما وتلاوة يرويه عن أبي بكر هو « لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر » ، فإنه يورد الرأيين السابقين على النحو التالي :
وحكي عن أبي بكر في « الانتصار » عن قوم انكار هذا القسم ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على انزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها .
وقال أبو بكر الرازي : نسخ الرسم والتلاوة انما يكون بأن ينسيهم اللّه إياه ، ويرفعه من أوهامهم ، ويأمرهم بالاعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف ، فيندرس على الأيام كسائر كتب اللّه القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله :
( إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى )
ولا يعرف اليوم منها شيء ، ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن ، أو يموت وهو متلو موجود في الرسم ، ثم ينسيه اللّه ويرفعه من أذهانهم . وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم » « 3 » .
إن هذا الموقف التأويلي في حقيقته موقف تبريري ، فإذا كان بعض القرآن يمكن أن ينسى ويندرس مثل كتب اللّه القديمة ، فلا شك أن هذا - إن صح وقوعه - نوع من النسخ بمعنى الالغاء والإزالة . وما دام النسخ ممكنا بعد وفاة الرسول فان ذلك يفتح الباب واسعا أمام الشك في مصداقية النص لا من الوجهة الدينية فحسب بل من الوجهة الثقافية أيضا .
ومهما كانت الدوافع وراء هذه التأويلات حسنة النية فإنها تنتهي في امتداداتها المنطقية إلى الغاء مفهوم النص ذاته . لقد كان على المفكر القديم أن يتحلى بقدر أكبر من الجرأة في مواجهة هذه المرويات بدلا من أن يحاول الجمع بينها بافتراضات تؤدي إلى أسوأ مما حاول
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 39 وانظر حديث عائشة في صحيح مسلم الجزء الرابع :
ص 167 وقد ذهب « النووي » إلى مثل ما ذكره الزركشي من أن النسخ تأخر إلى قرب وفاة النبي ولم يكن بلغ كل الناس . انظر مختصر صحيح مسلم ص 231 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 22 .
( 3 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 40 .