1 - الآيات التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها .
2 - الآيات التي نسخ حكمها وبقيت تلاوتها .
3 - الآيات التي نسخ حكمها وتلاوتها معا .
وإذا كان النمطان الأول والثالث يفترضان حدوث تغيير في النص حذفت منه بعض الآيات سواء بقي حكمها كما هو الأمر في النمط الأول ، أو نسخ حكمها أيضا كما هو الأمر في النمط الثالث ، فان هذا الافتراض له دلالته الخطيرة التي سنعود لمناقشتها في الفقرة التالية : ونكتفي هنا بتحليل الأمثلة التي يعطيها العلماء للنمط الثاني ، وهو النمط الذي نميل إلى حصر مفهوم النسخ فيه دون غيره من الأنماط .
الضرب الثاني : ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته ، وهو في ثلاث وستين سورة ، كقوله تعالى :
( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً . . . )
الآية ، فكانت المرأة إذا مات زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا ، ونفقتها في مال الزوج ، ولا ميراث لها ، وهذا معنى قوله :
( مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ . . . )
الآية ، فنسخ اللّه ذلك بقوله :
( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً )
« 1 » .
وإذا كانت الآية الناسخة مقدمة من حيث التلاوة على الآية المنسوخة فان العبرة بترتيب النزول لا بترتيب التلاوة . ولا شك أن تغيير حكم من يموت عنها زوجها من التربص عاما كاملا إلى التربص أربعة أشهر وعشرا نوع من التخفيف والتيسير هو الغاية من وراء هذا التغيير أو الابدال . وليس هنا « نسخ » بمعنى إزالة النص ومحوه من التلاوة . وليست الحكمة من ترك التلاوة أن تكون « تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة » فقط « 2 » بل يمكن أن تكون - كما سبقت الإشارة ، « تأجيلا » للحكم لانتفاء الظروف المؤدية اليه ، والتي قد تعود فتعود للحكم فعاليته . إن منهج الوحي هنا - رغم وضوحه من حيث دلالته على الارتباط الوثيق بالواقع الانساني - يغيب تماما في الفكر الديني الرسمي المعاصر ، وهو في فكر دعاة « تطبيق أحكام الشريعة » أشد غيابا لأنهم يريدون الوثب على قوانين الواقع بالفرض والقسر وبقوة الحديد والنار .
وفي حدود هذا الفهم لظاهرة « النسخ » لا يسلم القدماء من الخطأ النابع من حرصهم على عدم اتخاذ موقف نقدي من مرويات علم « الناسخ والمنسوخ » واعتمادهم على مجرد النقل عن القدماء والتوفيق بين الآراء والاجتهادات والروايات ، رغم أنها قضية ترتبط - كما سلفت
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 37 - 38 والآيات من سورة البقرة ، الآية 240 والآية 234 .
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 39 .