تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وجعل منه آية الوصية . . . والثالث إذا كانت السنة بأمر اللّه من طريق الوحي نسخت وان كانت باجتهاد فلا ، حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره . وقال الشافعي حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة « 1 » . والحقيقة أن مثل هذا التعارض بين الآراء نابع من عدم التفرقة بين النصوص الدينية ، ومن عدم ادراك الحدود الفاصلة بينها . ويعد موقف الشافعي هنا أقرب المواقف إلى سياق النص من حيث اصراره على التماثل في مستوى النصوص فيما يتصل بنسخ الأحكام . وإذا كان الزركشي يعترض على الشافعي قائلا : والحجة عليه من قوله في اسقاط الجلد في حد الزنا عن الثيب الذي رجم ، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم » « 2 » . فإن هذا اعتراض شكلي فان « الرجم » حدّ أقصى من « الجلد » فكيف يمكن الجمع بينهما ، ناهيك أن إقامة حد « الرجم » على « الثيب » الذي حكمه حكم الأعزب نوع من العقاب « بالأثر الرجعي » على أساس ما كان . إن السنة الصحيحة الموحى بها تفسر القرآن وتوضحه ولكنها لا تلغي أحكامه . وآية الوصية المشار إليها لم يتغير حكمها بالسنة ، بل تغير بالقرآن أيضا وهو ما يشير إليه الزركشي عند حديثه عن وجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ في ترتيب النزول حيث يقول : الآيتان إذا أوجبتا حكمين مختلفين وكانت إحداهما متقدمة الأخرى ، فالمتأخرة ناسخة للأولى ، كقوله تعالى :
( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )
، ثم قال بعد ذلك :
( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ )
، وقال :
( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ )
قالوا : فهذه ناسخة للأولى ولا يجوز أن يكون لهما الوصية والميراث « 3 » . وإذا كان القرآن والسنة نصين دينيين فإنهما يختلفان من وجوه أخرى جعلت الفقهاء والأصوليين يضعون السنة في مرتبة تالية من حيث الأهمية للقرآن . وإذا كان اهدار السنة في التعامل مع القرآن يعد اهدارا لجانب هام في فهم النص ، فان التسوية بين القرآن والسنة لا تقل في خطرها عن خطر اهدار السنة اهدارا كاملا . وإذا نظرنا إلى قضية الناسخ والمنسوخ من هذا المنظور نجد للعلماء تصنيفا للآيات الناسخة والمنسوخة يدور حول الأنماط التالية :
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 21 . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 32 . ( 3 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 22 .