تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
قبل ذلك عاد حكم المنسأ إلى الفعالية والتأثير . بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة ما توجب ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا . . . ومن هذا قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
الآية ، كان ذلك في ابتداء الأمر ، فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه ، ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : « بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » عاد الحكم ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك » ، وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن اتبعه ورحمة ، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة ، فلما أعز اللّه الاسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالاسلام ، أو بأداء الجزية - ان كانوا أهل كتاب - أو الاسلام أو القتل ان لم يكونوا أهل كتاب . ويعود هذان الحكمان - أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة - يعود سببهما ، وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة ، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته « 1 » . وإذا كان علماء القرآن قد أخرجوا هذا « المنسأ » من باب الناسخ والمنسوخ فان تحديد وظيفة النسخ في التسهيل والتيسير والتدرج في التشريع تجعل المنسوخ كله من باب « المنسأ » ، ويكون معنى التبديل في الآيات التي ناقشناها قبل ذلك هو تبديل الأحكام لا تغيير النصوص بالغاء القديم بآخر جديد لفظا وحكما . وإن فهم معنى « النسخ » بأنه الإزالة التامة للنص تتناقض مع حكمة التيسير والتدرج في التشريع .

3 - أنماط النسخ

يصنف القدماء أنماط النسخ في القرآن طبقا لمفاهيم مختلفة ومتغايرة للنسخ ، فإذا نظرنا إلى طبيعة النصوص الناسخة والمنسوخة كنا في دائرة المقارنة بين القرآن والسنة ، فهل يجوز أن تنسخ نصوص من القرآن بنصوص من السنة ؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال اختلف العلماء : فقيل لا ينسخ القرآن إلا بقرآن كقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
، قالوا : ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن . وقيل بل ينسخ القرآن بالسنة لأنها أيضا من عند اللّه ، قال تعالى :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى »
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 42 - 43 .