تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
والتدرج في التشريع من جهة أخرى . إن الآية الأولى :
( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
« 1 » تأمر بقتال المشركين بعد نهاية هذه الأشهر إلا
« فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ »
وليس في هذا الشرط نسخ أو تغيير في الحكم . اما الآية الثانية
( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
« 2 » فهي حوار مع أهل مكة كما يتضح من سياقها داخل السورة ، فهي آية مكية لا علاقة لها بأول سورة الفتح المدنية التي نزلت عند الانصراف من الحديبية نوعا من البشارة للنبي والمسلمين . والآية تدل على أن « عدم دراية النبي » تنصبّ على نتائج علاقته بقومه التي ساءت بسبب الدعوة بدليل قوله :
( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ »
. والقول في الآية الثالثة
« خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 3 » بأن أولها منسوخ بالزكاة وآخرها منسوخ بالأمر بالقتال قول لا يستقيم ، بل هو من قبيل استعراض المهارة والذكاء . لذلك يذهب السيوطي إلى : ان الذي أورده المكثرون أقسام : قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه . . . وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ ومنه قوله :
« وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ »
قيل إنه نسخ بقوله :
« وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ »
، وانما هو مخصوص به . وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الاسلام ولم ينزل في القرآن كإبطال نكاح نساء الآباء ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث ، وهذا ادخاله في قسم الناسخ قريب ، ولكن عدم ادخاله أقرب ، وهو الذي رجحه مكي وغيره ووجّهوه بأن ذلك لو عدّ في الناسخ لعدّ جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب . قالوا وانما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية . . . فإذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجمّ الغفير مع آيات الصفح والعفو ان قلنا إن آية السيف لم تنسخها « 4 » . وإذا كانت وظيفة النسخ هي التدرج في التشريع والتيسير ، فلا شك أن بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة يعد أمرا ضروريا ، وذلك لأن حكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرة أخرى . وقد أدرك العلماء ذلك حين ناقشوا موقف النص بين أمر المسلمين بالصبر على أذى الكفار وبين أمره بقتالهم ، وقالوا إن الأمر بالصبر من قبيل « المنسأ » الذي يتأجل العمل به ، أو يلغى الغاء مؤقتا لتغير الظروف ، فإذا عادت الظروف إلى ما كانت عليه
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية 5 . ( 2 ) سورة الأحقاف : الآية 9 . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 199 . ( 4 ) السيوطي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 22 .