تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
مكان آية وتغيير الحكم لا يعني « البداء » أو أن اللّه يقرر أمرا ثم يبدو له فيه رأي آخر . إن النظر دائما إلى « اللّه » في مناقشة قضايا الوحي والنص إغفال للبعد الآخر الهام وهو الواقع والمتلقين . إن الأحكام الشرعية أحكام خاصة بالبشر في حركتهم داخل المجتمع ، ولا يصح اخضاع الواقع المتغير لأحكام وتشريعات جامدة لا تتحرك ولا تتطور . وقد مر بنا في مناقشة قضايا أسباب النزول تدرّج التشريع في تحريم شرب الخمر وتدرجه في تحريم بعض الأطعمة ، وهو تدرج يصح أن يقال معه أن الآيات الأخيرة في ترتيب النزول تنسخ حكم الآيات السابقة عليها . والمهم في تحديد الناسخ من المنسوخ هو ترتيب النزول لا ترتيب التلاوة في المصحف . ومعنى ذلك أن تحديد الناسخ من المنسوخ في آيات القرآن يعتمد أساسا على معرفة تاريخية دقيقة بأسباب النزول وبترتيب نزول الآيات ، وهو أمر ليس سهلا كما نتصور . وحين سأل محمد بن سيرين عكرمة لما ذا لم يؤلف الصحابة القرآن كما أنزل الأول فالأول كان جوابه لو اجتمعت الانس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا « 1 » . وهذا ما يجعل تحديد الناسخ والمنسوخ ليس دائما أمرا سهلا . ولعل ذلك كان السبب في مغالاة علماء القرآن في النماذج التي ناقشوها في هذا الباب . لقد جعلوا كل اختلاف نوعا من النسخ ، وخلطوا في ذلك بين أدوات التخصيص اللغوي داخل الآية الواحدة وبين تغيير الحكم لتغير الظروف والملابسات . قال ابن العربي : قوله تعالى :
( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ )
ناسخة لمائة وأربع عشرة آية ، ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله :
( فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ )
. قالوا : وليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنة إلا قوله في الأحقاف .
( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ )
وناسخها أول سورة الفتح : قال ابن العربي : ومن أغرب آية في النسخ قوله تعالى :
( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ )
أولها وآخرها منسوخان ، ووسطها محكم « 2 » . وهذا التصور لحدوث النسخ في الآية الواحدة تصور يعارض مفهوم « النسخ » ذاته من حيث هو ابدال آية مكان آية من جهة ، وهو مفهوم يعارض وظيفة « النسخ » التي هي التيسير
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 58 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني : ص 40 - 41 .