ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء اللّه ونحوه من عدم ايجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ، ثم نسخه ايجاب ذلك . وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وانما هو نسء ، كما قال تعالى : ( أو ننسئها ) فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى « 1 » .
ويكون على ذلك معنى النسخ هو ابدال نص بنص مع بقاء النصين وعلى ذلك يصعب أن نتقبل كثيرا من النصوص والأنواع التي يوردها العلماء داخل قضية « الناسخ والمنسوخ » خاصة تلك النصوص التي يجعلون آخرها ناسخا لأولها . إن أنماط النسخ يمكن أن تتضح أكثر إذا ناقشنا وظيفة النسخ وغايته .
2 - وظيفة النسخ
لا شك أن ابدال نص بنص بما يترتب عليه من ابطال حكم بحكم آخر يمكن أن يدرس من زوايا عديدة ، أهمها التدرج في التشريع خطوة خطوة مراعاة لقانون التدرج في عملية التغيير . وإذا كان النص في مفهومه الأساسي من حيث كونه وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع ، فلا شك أنه في تطوره كان لا بد أن يراعي هذا الواقع . ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوجا بتصور أن اللّه لا يجوز عليه التغيّر ، وأن علمه الشامل للماضي والحاضر والمستقبل وللكليات والجزئيات يمنع من أن يحكم بحكم ثم يغيّر هذا الحكم ، فالتغيّر صفة ثابتة في الواقع لازمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافقة . وما دام النص نصا متوجها للواقع فلا بد أن يراعي شروط الواقع . لقد قارب علماء القرآن هذا الفهم وان عبروا عنه بلغة عصرهم ومن خلال مفاهيمهم :
والنسخ مما خص اللّه به هذه الأمة في حكم من التيسير ويفر هؤلاء ( الذي ينكرون النسخ ) من القول بأن اللّه ينسخ شيئا بعد نزوله والعمل به . وهذا مذهب اليهود في الأصل ، ظنا منهم أنه بداء - كالذي يرى الرأي ثم يبدو له - وهو باطل لأنه بيان مدة الحكم ، ألا ترى الاحياء بعد الإماتة ، وعكسه ، والمرض بعد الصحة وعكسه ، والفقر بعد الغنى وعكسه وذلك لا يكون بداء ، فكذا الأمر والنهي « 2 » .
إن تغاير أفعال اللّه في العالم لا يعني تغيرا في ذات اللّه أو في علمه ، وكذلك ابدال آية
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 43 ، وانظر في القراءات المختلفة للفظ مناقشة جولد تسيهر وردود محمد عبد الحليم النجار في الهامش : مذاهب التفسير الاسلامي : ص 37 - 39 .
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 30 .