« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
« أي ابتلاء واختبارا »
وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
. أي من الفتن : أي الذين ثبّت اللّه
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ »
أي ايمانكم بالقبلة الأولى ، وتصديق نبيكم ، واتباعكم إياه إلى القبلة الآخرة ، وطاعتكم نبيكم فيها : أي ليعطينكم أجرهما جميعا
« إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ »
.
ثم قال تعالى :
« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
« 1 » .
ولعلنا من هذا السياق نفهم أن الآية في النص السابق - التي يقع عليها النسخ أو النسيان - ليس من الضروري أن تكون بمعنى الوحدة الأساسية في النص - الآية القرآنية - ولعل المقصود بها المعنى اللغوي للآية ، بمعنى العلامة الدالة . ويؤكد هذا الفهم من جانبنا الحديث عن ملك السماوات والأرض أولا ، ثم الحديث عن طلب طلبه أهل الكتاب والمشركون من النبي ، طلب يقارنه النص بما سبق أن طلبه قوم موسى منه وهو طلبهم رؤية اللّه جهرة . لقد كان طلب أهل الكتاب من النبي هو أن قالوا :
يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه ، وفجّر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك .
فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما
« أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ »
« 2 » .
وليس لهذا الطلب من معنى سوى أنهم كانوا يطلبون « علامة » أو « آية » يستدلون منها على صدق النبي . ويكون معنى الآية بناء على هذا أن العلامات الدالة على النبوة يمكن أن يغيرها اللّه ، وأن ما يغيره اللّه من هذه العلامات أو يسحب عليها أذيال النسيان يأتي من العلامات بما هو أفضل منها في الدلالة ، أو يأتي على الأقل بما يماثلها . إن هذا الفهم يتجاوز تعدد قراءات « أو ننسها » وهي قراءات تراوحت بين ننسها باسناد الفعل إلى اللّه أو ننسها بجعل الفعل على صيغة « أفعل » من « أنسى » لا من « نسي » والقراءة الثالثة « ننسئها » بالهمز بمعنى التأجيل ، وهي قراءة يستدل منها الزركشي على أن النسخ بمعنى تأجيل الحكم لا بمعنى الغائه ، وهو :
هامش
( 1 ) السيرة النبوية : الجزء الثاني ، ص 142 ، والآيات من سورة البقرة : 142 - 144 .
( 2 ) السيرة النبوية : الجزء الثاني ، ص 140 - 141 .