ولا شك أن معنى « الآية » في هذا النص المقصود به بعض النص ووحدته الأساسية ، فسياق النص قراءة القرآن والبدء بالاستعاذة من الشيطان ، ثم رد تهمة الافتراء وبيان أن القرآن من عند اللّه نزل به الروح الأمين ، والرد أيضا على اتهام مشركي مكة بأن ثمة من يملي على محمد القرآن . في هذا السياق يكون « ابدال » آية مكان آية معناه تغيير الحكم الوارد في نص بنص آخر مع ابقاء النصين ولذلك كان بناء الآية على الشرط وكان جواب الشرط اتهام أهل مكة لمحمد بالكذب . وليس لهذا الاتهام من معنى سوى تصورهم لوجود تناقض في النص . والنص الآخر الذي يستند اليه العلماء في تحديد معنى النسخ نص مدني هو قوله تعالى :
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
« 1 »
.
وسياق هذا النص مغاير لسياق النص السابق من حيث إنه يشير إلى معاداة أهل الكتاب للمسلمين ومخالفتهم لهم في كل شيء . ولا شك أن أهل الكتاب كانوا قد أحسوا باهتزاز مكانتهم وبضعف تفوقهم على « الأميين » الذين صار لهم « كتاب » أيضا . ولذلك كانوا كثيرا ما يلجئون إلى اتهام آيات القرآن بالتناقض ، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها مثلا اعتراضهم على الغاء النص للربا في حين أن النص يعد المؤمنين الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفا ، فكان قولهم « نعجب لرب محمد كيف يحرّم علينا الربا ويعطيناه » . ومعروف أن « الربا » كان يمثل بالنسبة ليهود « يثرب » مصدرا هاما من مصادر سيطرتهم على حركة المجتمع . والمثال الثاني ، وهو مثال أدخله العلماء في « النسخ » هو تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن كان النبي والمسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ، ولا شك أن توجّه المسلمين إلى بيت المقدس في الصلاة كان من شأنه أن يثير الطمع في نفوس اليهود الذين ظنوا في هذا التوجه اتباعا لليهودية ، ولذلك اعترضوا عند تحويل القبلة :
فقالوا : يا محمد ، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك ، وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه . فأنزل اللّه تعالى فيهم :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآيات 105 - 108 .