الفصل الخامس الناسخ والمنسوخ
تعد ظاهرة النسخ التي أقر العلماء بحدوثها في النص أكبر دليل على جدلية العلاقة بين الوحي والواقع ، إذ النسخ هو ابطال الحكم والغائه سواء ارتبط الالغاء بمحو النص الدال على الحكم ورفعه من التلاوة أو ظل النص موجودا دالا على « الحكم » المنسوخ . لكن ظاهرة النسخ تثير في وجه الفكر الديني السائد والمستقر اشكاليتين يتحاشى مناقشتهما . الاشكالية الأولى : كيف يمكن التوفيق بين هذه الظاهرة بما يترتب عليها من تعديل للنص بالنسخ والالغاء وبين الايمان الذي شاع واستقر بوجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ ؟ والاشكالية الثانية التي تثيرها ظاهرة « النسخ » هي اشكالية « جمع القرآن » في عهد الخليفة أبي بكر الصديق . والذي يربط بين النسخ ومشكلة الجمع ما يورده علماء القرآن من أمثلة قد توهم بأن بعض أجزاء النص قد نسيت من الذاكرة الانسانية . ولكن علينا قبل مناقشة هاتين القضيتين أن نحلل مفهوم النسخ ووظيفته عند علماء القرآن ونناقشهم في تصوراتهم لأنواع النسخ وأنماطه .
1 - مفهوم النسخ
يعتمد العلماء في تحديد معنى النسخ على نصين من القرآن أحدهما مكي والآخر مدني .
أما النص المكي فهو قوله تعالى : -
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ . وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآيات 98 - 103 .